
بورصة الدار البيضاء بين نار الجيوسياسة وجاذبية التصحيح: هل يصمد “مازي” في وجه العاصفة؟
الدارالبيضاء: إستثمار
في مشهد يذكرنا بهشاشة الأسواق المالية أمام صواعق السياسة الدولية، هوى مؤشر “مازي” في بورصة الدار البيضاء بنسبة 10% خلال جلستين فقط، على وقع التصعيد المحموم بين واشنطن وطهران. هذا الانزلاق السريع لم يأتِ من فراغ، بل جاء كصدى لمخاوف أوسع تتعلق بأمن الطاقة واستقرار النمو العالمي، ما جعل السوق المغربية، رغم بعدها الجغرافي، ترتجف على إيقاع طبول حرب لا تدور في فلكها المباشر. غير أن قراءة هذا التراجع على أنه انهيار شامل قد تكون مضللة، إذ تشير التحليلات الأولية إلى أن ما جرى هو بمثابة “تصحيح ظرفي” لسوق كانت قد بلغت ذروة صعودها قبل أسابيع فقط.
اللافت في الأمر أن المهنيين أنفسهم ينظرون إلى هذه الموجة من البيع بعين مختلفة، حيث يصفونها برد فعل مبالغ فيه يعكس الذاكرة القصيرة للأسواق أكثر مما يعكس تدهوراً في الأساسيات الاقتصادية. فالسوق التي لم تمضِ أشهر قليلة على تسجيلها مستوى قياسياً قارب 20.340 نقطة، تجد نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي لقدرتها على استيعاب الصدمات الخارجية. وهنا تبرز المقارنة مع أزمات سابقة مثل الأزمة المالية العالمية أو جائحة كوفيد-19، حيث أثبتت السوق مرونة تجعل من هذه التراجعات مجرد “فواصل” في مسار تصاعدي طويل الأجل، خصوصاً مع استمرار توقعات نمو أرباح الشركات المدرجة بنحو 20% في الأشهر القادمة.
في الجهة المقابلة، لم تترك السلطات العمومية المجال للتأويلات السلبية، حيث سارعت نادية فتاح، وزيرة الاقتصاد والمالية، إلى طمأنة الفاعلين الاقتصاديين باستعراض عوامل الصمود الوطني. لم تكن الطمأنة مجرد خطاب تهدئة، بل استندت إلى معطيات استراتيجية تتمثل في احتياطات مهمة من العملة الصعبة، وتحول هيكلي في المزيج الطاقي نحو الطاقات الخضراء، إضافة إلى اقتصاد أظهر صلابة في وجه الأزمات. هذا المزيج من العوامل الداخلية القوية يشكل شبكة أمان تسمح للمغرب بالتعامل مع مختلف السيناريوهات المحتملة في المنطقة.
في خضم هذه التقلبات، تبرز الحاجة الملحة لإعادة النظر في سلوك المستثمرين، خاصة الأفراد منهم، تجاه السوق. فالتاريخ المالي يعلمنا أن المستثمر الناجح ليس من يركض خلف كل ارتفاع ويبيع عند كل هبوط، بل من ينظر إلى الأسهم كوعاء استثماري طويل الأمد تظهر خلاله الدورات الاقتصادية وتطور أرباح الشركات. كما أن تنويع المحفظة الاستثمارية يظل الدرع الواقي من صدمات قطاع معين أو سهم بعينه، بينما يبقى الانضباط الاستثماري هو الفارق بين من يجني الثمار ومن يدفع ثمن التفاعل العاطفي مع كل جلسة تداول.
قد تكون فترات التصحيح هذه مؤلمة لمن ينظر إليها من زاوية الخسارة اللحظية، لكنها تتحول في عين المستثمر طويل الأجل إلى “نوافذ ذهبية” تتيح الولوج إلى أسهم شركات قوية بأسعار أكثر جاذبية. فالسوق التي تتراجع اليوم على وقع توترات جيوسياسية عابرة، قد تعود غداً أقوى، مدفوعة بأسس اقتصادية متينة تنتظر فقط أن تنقشع غيوم الخوف لتعود إلى مسارها الطبيعي.





