
كيف تُخنق المقاولات الصغيرة في المغرب بين البنوك والبيروقراطية؟
الرباط: ريم بنكرة
يكشف واقع المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة في المغرب عن مفارقة صارخة: قطاع يُفترض أن يكون العمود الفقري للاقتصاد الوطني، لكنه يعيش في وضع هش يكاد يعصف بدوره التنموي. فهذه المقاولات، التي تمثل الغالبية الساحقة من النسيج الاقتصادي، لا تعاني فقط من صعوبات ظرفية، بل من اختلالات بنيوية عميقة تجعل من بقائها نفسه تحديا يوميا.
التقرير الذي وُصف بـ”المحرك المعطل” لا يكتفي برصد الأرقام، بل يعرّي نموذجًا اقتصاديا غير منصف، حيث لا تستفيد سوى أقلية ضئيلة من التمويل البنكي، بينما تُقصى الأغلبية بفعل شروط لا تراعي طبيعتها الهشة.
هذه المعادلة غير المتكافئة تفسر إلى حد كبير هشاشة دورة حياة هذه المقاولات، إذ إن نسبة كبيرة منها لا تصمد لأكثر من خمس سنوات، في مشهد يعكس اقتصادًا يستهلك مبادراته بدل أن يحتضنها.
الأخطر من ذلك أن هذا الإقصاء المالي لا يبقى معزولا، بل يدفع بالمقاولات نحو أحضان القطاع غير المهيكل، فيتحول الاقتصاد غير الرسمي من خيار اضطراري إلى ملاذ شبه إجباري.
وهنا تتعمق الأزمة، لأن الدولة تخسر من جهة موارد ضريبية، وتفقد من جهة أخرى القدرة على تأطير جزء واسع من النشاط الاقتصادي، ما يخلق حلقة مفرغة من الهشاشة وانعدام الثقة.
ولا تقف التحديات عند التمويل، بل تمتد إلى فجوة رقمية مقلقة تكشف أن جزءًا كبيرًا من هذه المقاولات ما يزال خارج العصر. ففي زمن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، يبدو أن أغلب الفاعلين الصغار غير مجهزين لا تقنيا ولا معرفيا، ما يضعهم في موقع متأخر داخل سلاسل القيمة ويحد من قدرتهم على المنافسة، سواء داخليا أو خارجيا.
أما إشكالية تأخر الأداء، فتُعد نموذجًا صارخًا لاختلال ميزان القوة داخل السوق، حيث تتحول المقاولات الكبرى من شركاء مفترضين إلى مصدر ضغط مالي، عبر تأخير مستحقات تتجاوز في كثير من الأحيان ثلاثة أشهر. هذا السلوك لا يؤدي فقط إلى اختناق السيولة، بل يعمّق هشاشة المقاولات الصغيرة ويجعلها رهينة لقرارات لا تتحكم فيها.
وفي سياق موازٍ، يكشف ضعف ولوج هذه المقاولات إلى الصفقات العمومية عن خلل في مبدأ تكافؤ الفرص، إذ تبقى حصة هذه الفئة محدودة بشكل لا يعكس وزنها الحقيقي في الاقتصاد. ويُضاف إلى ذلك نقص البنيات التحتية وضعف التأطير الإداري والتدبيري، ما يعكس غياب رؤية شمولية لدعم هذا النسيج الحيوي.
ورغم وجاهة الحلول المقترحة، مثل إحداث تجمعات اقتصادية لتقاسم المخاطر، أو تقليص آجال الأداء، أو إدماج أدوات رقمية ذكية للمواكبة، فإن السؤال الجوهري يظل مطروحًا: هل يتعلق الأمر بنقص في الحلول أم في الإرادة لتفعيلها؟ لأن التجارب السابقة أظهرت أن الإشكال في المغرب ليس دائما في التشخيص، بل في تنزيل السياسات بشكل فعلي ومنصف.
في النهاية، يبدو أن إنقاذ المقاولات الصغيرة لا يمر فقط عبر إجراءات تقنية، بل يتطلب إعادة نظر شاملة في فلسفة تدبير الاقتصاد الوطني، بما يضمن عدالة الولوج إلى التمويل، وتكافؤ الفرص داخل السوق، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا يظل “محرك الاقتصاد” مجرد شعار يخفي وراءه واقعًا من الاختلالات العميقة.





