
المنتصر والمنهزم في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران
عبدالعالي بنلياس: أستاذ العلوم السياسية بكلية الحقوق السويسي
في خضم الصراعات والحروب المعاصرة التي يعرفها القرن الواحد والعشرين، لم يعد سؤال من المنتصر ومن المنهزم؟ سؤالا بسيطا يمكن الإجابة عنه بمنطق الحروب التقليدية، فالسؤال رغم بساطته الظاهرية يصبح أكثر تعقيدا حين يطرح على حروب لم تحسم بمنطق الاستسلام الكامل أو الانهيار الشامل.
فالتاريخ يقدم لنا نماذج واضحة لحروب انتهت بنتائج عسكرية وسياسية قاطعة كاستسلام ألماينا النازية في مايو 1945 في الحرب العالمية الثانية، و إعلان الإمبراطور هيروهيتو استسلام اليابان في 15 غشت 1945 بعد قصف هيروشيما ونكازاكي ، وهزيمة المانيا وحلفائها في الحرب العالمية الأولى وفرض شروط قاسية عليها في اتفاقية فرساي، وهزيمة مصر والأردن وسوريا في حرب ستة أيام سنة 1967، وحرب فيتنام سنة 1975 التي انتهت بانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية وانتصار فيتنام الشمالية، وهزيمة العراق في حرب الخليج الثانية سنة 1991، وغيرها من الحروب التي انتهت بمنتصر ومنهزم.
إن استحضار هذه النماذج التاريخية يوضح الفرق الجوهري بين الحروب التقليدية التي تنتهي بحسم واضح، والحروب الحديثة التي تدار بمنطق الاستنزاف وتوازن الردع، حيث يسعى كل طرف إلى منع هزيمته أكثر من سعيه لتحقيق نصر ساحق.
لقد اتسمت الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بطابع مختلف؛ فهي لم تكن حربا تقليدية تسعى إلى احتلال الأرضي، بقدر ما كانت مواجهة محددة الأهداف، تتعلق بإعادة تشكيل موازين القوى، من خلال إضعاف إيران وتقليص نفوذها الإقليمي وضمان تفوق استراتيجي دائم لإسرائيل بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية، ومحاولة فرض واقع استراتيجي جديد في المنطقة.
غير أن النتائج العسكرية والسياسية تكشف أن هذه الأهداف لم تتحقق بشكل كامل، فالولايات المتحدة الأمريكية رغم تفوقها العسكري والتكنولوجي الهائل، لم تتمكن من فرض هزيمة حاسمة على إيران، ولم تنجح في تغيير نظامها السياسي أو شل قدرتها على التأثير الإقليمي، وتجريده من أوراق الضغط التي تتوفر عليها خاصة مضيق هرمز، وهو ما يعكس حدود القوة العسكرية حين تصطدم بعوامل الجغرافيا السياسية وتعقيدات التوازنات الدولية، وأنه في الحروب الحديثة لا تعني القدرة على التدمير بالضرورة القدرة على الحسم والانتصار.
في المقابل، يمكن القول أن إيران لم تنهزم بالمعنى العسكري التقليدي، إذ لم تستسلم ولم ينهار نظامها السياسي الذي تأسس سنة 1979، بل استمرت مؤسساتها في أداء وظائفها السياسية والعسكرية، رغم الضربات القاسية التي تلقتها، غير أن هذا الصمود لا يمكن اعتباره انتصارا كاملا، بالنظر إلى حجم الخسائر التي تكبدتها، سواء على مستوى البنية التحتية أو القدرات العسكرية، غير أنها في المقابل نجحت في تحقيق هدف جوهري: الصمود ومنع الانهيار، لأنه في الحروب غير متكافئة قد يتحول تفادي الهزيمة بحد ذاته إلى شكل من أشكال الانتصار السياسي.
أما إسرائيل، التي راهنت على تحقيق نصر استراتيجي ينهي التهديدات المحيطة بها ويكرسها قوة إقليمية مهيمنة، فقد وجدت نفسها أمام واقع أكثر تعقيدا، إذ لم تنجح في القضاء على مصادر التهديد بشكل نهائي، كما أن استمرار حالة عدم الاستقرار الأمني يؤكد أن التفوق العسكري لا يترجم بالضرورة إلى أمن دائم، إذ على مر ثلاث سنوات الماضية عاش الإسرائيليون في المخابئ وعلى دوي صفارات الإنذار.
إن توصيف هذه الحرب لا يمكن أن يختزل في ثنائية المنتصر والمنهزم، بل ينبغي فهمها كحالة من التوازن القلق، حيث حقق كل طرف بعض أهدافه، وأخفق في تحقيق أهداف أخرى. وفي مثل هذه السياقات، يصبح منع الهزيمة بحد ذاته شكلا من أشكال النجاح، كما يتحول الفشل في الحسم إلى سمة ملازمة لهذا النوع من الصراعات.
في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو: من انتصر؟ ولكن هل أصبح العالم، ومنطقة الشرق الأوسط تحديدا، أكثر استقرارا أم أكثر هشاشة؟ وهي أسئلة تظل مفتوحة على احتمالات متعددة، في ظل واقع دولي لا تحكمه فقط القوة بل أيضا التعقيد بتداخل المصالح وتعارض الرهانات بين الدول.





