
أزمة الزواج في صفوف الشباب: حين تتحول الرغبة في الارتباط إلى عبء اقتصادي واجتماعي
الرباط: ريم بنكرة
لم يعد العزوف عن الزواج في المغرب مجرد ظاهرة عابرة مرتبطة بمرحلة عمرية أو ظرفية، بل أصبح مؤشراً عميقاً على تحول بنيوي في القيم والتوازنات الاجتماعية.
الأرقام الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط تكشف بوضوح هذا التحول: أكثر من نصف العزاب المغاربة (51.7%) لا يفكرون في الزواج، مقابل أقلية نسبية لا تزال متمسكة بفكرة الارتباط. هذه المعطيات لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياق اقتصادي واجتماعي ضاغط، حيث بات الزواج في نظر كثيرين مشروعاً مكلفاً يفوق القدرة، لا مجرد خطوة طبيعية في مسار الحياة.
المفارقة اللافتة أن هذا العزوف يبدو أكثر حدة لدى الرجال، بنسبة تقارب 60%، وهو ما يعكس تحولا في مفهوم “القدرة على الزواج” المرتبط تقليدياً بالدور الاقتصادي للرجل.
في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، من سكن وتجهيز ومصاريف يومية، أصبح الإقدام على الزواج بالنسبة لكثير من الشباب مخاطرة مالية غير محسوبة. لم يعد الأمر مرتبطاً فقط بالرغبة العاطفية أو الاجتماعية، بل بميزان دقيق بين الدخل والاستقرار، وهو ميزان غالباً ما يكون مختلاً.
في المقابل، تُظهر النساء ميلاً أكبر نحو الزواج، وهو ما يكشف عن فجوة في التوقعات بين الجنسين.
هذه الفجوة ليست فقط نفسية أو ثقافية، بل هي انعكاس لاختلالات أعمق في سوق الشغل وتوزيع الفرص. فبينما لا تزال فئات واسعة من النساء ترى في الزواج إطاراً للاستقرار، يراه عدد متزايد من الرجال عبئاً اقتصادياً قد يهدد توازنهم الشخصي والمهني.
التحليل المقارن بين الفئات العمرية يضيف بعداً آخر لهذه الظاهرة. فالرغبة في الزواج ترتفع مع التقدم في السن، لكنها لا تستمر بشكل تصاعدي، بل تبلغ ذروتها في منتصف العمر قبل أن تتراجع لاحقاً. هذا المسار يكشف أن العزوبة لم تعد مجرد مرحلة انتقالية، بل تتحول تدريجياً إلى نمط حياة مقبول بل ومستقر لدى البعض. هنا، يتحول الاختيار من “تأجيل الزواج” إلى “التخلي عنه” كخيار واعٍ.
ما يثير الانتباه أكثر هو أن هذا التحول لا يمكن تفسيره فقط بالعامل الاقتصادي، رغم مركزيته.
هناك أيضاً تغير في منظومة القيم: تزايد النزعة الفردية، البحث عن الاستقلالية، الخوف من الفشل الأسري، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي التي أعادت تشكيل صورة الزواج نفسها. لم يعد يُنظر إليه كضرورة اجتماعية حتمية، بل كخيار قابل للنقاش وربما الرفض.
غير أن اختزال الظاهرة في “حرية الاختيار” قد يكون تبسيطاً مضللاً. فحين يصبح الزواج مكلفاً إلى درجة الإقصاء، فإن الحديث عن الاختيار يفقد جزءاً من معناه.
نحن أمام ما يمكن تسميته بـ”الإقصاء الاقتصادي من الزواج”، حيث تتحول مؤسسة اجتماعية أساسية إلى امتياز لا يقدر عليه الجميع. وهذا يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل البنية الأسرية في المغرب، وانعكاسات ذلك على معدلات الولادة، والتماسك الاجتماعي، وحتى التحولات الثقافية على المدى البعيد.
في المحصلة لا يعكس عزوف الشباب المغربي عن الزواج مجرد تبدل في المزاج الاجتماعي، بل يكشف عن أزمة مركبة تتداخل فيها العوامل الاقتصادية مع التحولات القيمية. وبين ضغط الواقع وتغير التطلعات، يبدو أن الزواج في المغرب لم يعد “بداية طبيعية”، بل أصبح “قراراً معقداً” يحتاج إلى شروط قد لا تتوفر إلا لقلة في زمن تتسع فيه الفجوة بين الحلم والقدرة.




