“باطرونا المغرب” تغيّر رئيسها… تحالف المال والصناعة يقود رجال الأعمال نحو معركة 2030

الرباط: ريم بنكرة

بأغلبية كاسحة عكست حجم التوافق داخل أوساط رجال الأعمال، حسم الاتحاد العام لمقاولات المغرب مرحلة جديدة من تاريخه بانتخاب مهدي التازي رئيساً جديداً للاتحاد إلى جانب محمد بشيري نائباً للرئيس، في انتقال يبدو أبعد من مجرد تداول عادي على المسؤولية، ليحمل ملامح إعادة تموقع حقيقية لأكبر منظمة تمثل أرباب العمل بالمملكة في سياق اقتصادي عالمي شديد التعقيد.

النتيجة التي منحت اللائحة الوحيدة أزيد من 91 في المائة من الأصوات لم تكن مجرد تصويت تنظيمي هادئ، بل رسالة واضحة تعكس رغبة قوية في الحفاظ على الاستقرار داخل “الباطرونا” مع الدفع في اتجاه قيادة تمتلك القدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية الكبرى التي تنتظر المغرب خلال السنوات المقبلة، خصوصاً مع اقتراب استحقاقات مونديال 2030 وتسارع الثورة الرقمية وإعادة تشكيل سلاسل التجارة العالمية.

اختيار مهدي التازي لم يكن اعتباطياً؛ فالرجل راكم تجربة طويلة داخل دواليب الاتحاد إلى جانب الرئيس المنتهية ولايته شكيب العلج، كما راكم في المقابل خبرة واسعة في عالم المال والتأمين والاستثمار. هذا المزج بين المعرفة المؤسساتية والخبرة الاقتصادية جعل منه، بالنسبة لعدد من الفاعلين، شخصية قادرة على ضمان انتقال سلس داخل منظمة أصبحت تمثل ما يقارب مائة ألف مقاولة، تشكل المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة عمودها الفقري الحقيقي.

أما محمد بشيري، القادم من عالم الصناعة والسيارات، فيحمل معه صورة “الرجل الميداني” الذي عاش تفاصيل بناء واحد من أكثر القطاعات الصناعية نجاحاً بالمغرب خلال العقد الأخير.

فصناعة السيارات التي تحولت إلى قاطرة للصادرات الوطنية أصبحت النموذج الذي تريد “الباطرونا” تعميم فلسفته على قطاعات أخرى، خاصة في ما يتعلق بنسبة الإدماج المحلي والسيادة الإنتاجية.

اللافت في الخطاب الذي رافق هذا الانتقال هو أن الاتحاد لم يعد يكتفي بلعب دور المدافع التقليدي عن مصالح المقاولات، بل بدأ يقدم نفسه كفاعل استراتيجي يريد التأثير المباشر في السياسات العمومية. فالتازي تحدث بوضوح عن ضرورة القطع مع منطق التراخيص المعقدة، والدفع نحو مراقبة لاحقة بدل القيود المسبقة، مع إصلاح جبائي عميق وتحديث مدونة الشغل بشكل يوازن بين حماية الأجراء وتحفيز الاستثمار.

كما أن البرنامج المعلن يكشف أن هاجس التنافسية أصبح في صلب أولويات الاتحاد، خاصة في ظل ارتفاع كلفة اللوجستيك والطاقة مقارنة بعدد من الاقتصادات المنافسة. فحين يشير الرئيس الجديد إلى أن الكلفة اللوجستيكية بالمغرب تلتهم حوالي 19 في المائة من الناتج الداخلي الخام، فهو يبعث برسالة واضحة مفادها أن المعركة الاقتصادية المقبلة لن تُحسم فقط بالإنتاج، بل أيضاً بقدرة المقاولات على تقليص الكلفة ورفع الفعالية.

وفي الخلفية، يبرز ملف الذكاء الاصطناعي والرقمنة باعتباره الورقة الأكثر حساسية في الرؤية الجديدة. فإطلاق “مختبر المغرب للابتكار” ابتداءً من سنة 2027 يعكس إدراكاً متزايداً بأن المقاولات المغربية، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة، مهددة بالتأخر عن الركب إذا لم تنخرط سريعاً في التحول التكنولوجي العالمي الذي يعيد صياغة قواعد الاقتصاد والإنتاج والتشغيل.

كما أن حديث التازي عن ضعف عدد المقاولات المصدرة، رغم الارتفاع القياسي للصادرات الوطنية، يكشف وجود اختلال بنيوي يتمثل في تركّز النشاط التصديري في عدد محدود من الشركات الكبرى، مقابل عجز آلاف المقاولات الأخرى عن اختراق الأسواق الدولية. لذلك تراهن القيادة الجديدة على توسيع قاعدة التصدير وربطها أيضاً بالطاقات الاقتصادية للجالية المغربية بالخارج، التي بات يُنظر إليها كقوة مالية واستثمارية غير مستغلة بالشكل الكافي.

رحيل شكيب العلج بدوره حمل الكثير من الرمزية، خصوصاً أن ولايته ارتبطت بفترة صعبة طبعها وباء كورونا والأزمات الدولية والاضطرابات الاقتصادية. واللحظة العاطفية التي ختم بها كلمته وهو يودع رئاسة الاتحاد عكست حجم الضغوط التي عاشتها “الباطرونا” خلال واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ الاقتصاد العالمي الحديث.

اليوم، يجد الثنائي التازي ـ بشيري نفسه أمام امتحان حقيقي يتجاوز الخطابات والوعود؛ فالمطلوب ليس فقط الحفاظ على استقرار الاتحاد، بل تحويله إلى قوة اقتراح اقتصادية قادرة على مرافقة المغرب في رهاناته الكبرى المقبلة، من الصناعة إلى الرقمنة، ومن الاستثمار إلى كأس العالم 2030. والأكيد أن نجاح هذه المرحلة سيُقاس بمدى قدرة “باطرونا المغرب” على جعل أثر النمو يصل إلى المقاولات الصغيرة قبل الأبراج المالية الكبرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى