
“الميركاتو السياسي”: هل يرحل المنتخبون بحثاً عن الكراسي أم عن القناعات؟
الرباط: المهدي الجرباوي
مع كل موسم انتخابي، يعاود المشهد السياسي المغربي إنتاج ظاهرة مألوفة: وجوه سياسية معروفة تغادر أحزابها التي لطالما ارتبطت بها، لتحط في يافطات حزبية أخرى، وكأنها تبحث عن ملاذ آمن في سباق لا يعترف إلا بالفائزين. هذا الترحال الذي يتكرر بنمط شبه موسمي يطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعته: هل هو تحول نابع من قناعات متطورة، أم مجرد إعادة تموضع تحكمه حسابات المصالح الشخصية والظرفية؟
ويرى سمير الشحواطي، أستاذ بكلية العلوم القانونية والاقتصادية بتطوان، أن هذه النقيصة تعتبر من أبرز عوائق تخليق الحياة السياسية، مشيراً إلى أنها كانت لصيقة بأحزاب معينة لكنها أصبحت اليوم ظاهرة تعم مختلف التنظيمات، بما فيها تلك التي نددت بها سابقاً. ويضيف أن المشرع المغربي حاول التصدي لها عبر آليات قانونية بدأت بالتغريم بموجب القانون التنظيمي 36.04 لسنة 2006، وصولاً إلى التجريد من العضوية الانتدابية بموجب التعديل الدستوري لسنة 2011، غير أن هذه المقاربة تظل قاصرة أمام استفحال الظاهرة، حيث يحرص الرحل على تغيير انتمائهم مع اقتراب نهاية الولاية الانتدابية، للترشح بألوان سياسية جديدة، وكأنها مجرد عملية حسابية توقيتية.
ويؤكد الشحواطي أن تزامن حركية الترحال مع الاستعداد للاستحقاقات الانتخابية يكشف عن دافعه الحقيقي، فهو غالباً ما يكون نتيجة لصراع المصالح والتزكيات داخل الأحزاب، وليس تعبيراً عن تغير في الأفكار أو القناعات، وإلا فما الجدوى من الانتقال بين حزب ونسخته التي تحمل ذات الأفكار والممارسات؟ ويسجل أن “الميركاتو الانتخابي” ينتعش عشية كل موسم انتخابي بفعل تدبير الترشيحات، حيث يطفو مثلب الهجرة الحزبية أو ما يمكن وصفه ب”الحريك السياسي” مع حلول فترة حسم التزكيات.
ويحمّل الأكاديمي المسؤولية الكبرى للأحزاب السياسية، خاصة تلك التي تستقبل الرحل، مشيراً إلى تراجع الرهان على مناضليها مقابل تنامي استقطاب “الوافد الواجد” أو من يمتلك الإمكانيات المادية، مما يشي بغلبة المقاربة العددية وحسابات ما بعد الانتخابات على المبادئ الديمقراطية والقيم الحزبية، ويؤكد أن قبول الأحزاب بهذه الممارسات والتصفيق للوافد الجديد يكرس علاقات “الشيخ والمريد” داخل التنظيمات، ويفضي إلى طغيان المصالح الشخصية على المبادئ.
ويشدد الشحواطي على أن معالجة هذه الظاهرة تستوجب مقاربة شاملة تتجاوز النصوص القانونية، وتمتد إلى ترسيخ القيم الديمقراطية في المجتمع وإيمان الفاعلين السياسيين بها، داعياً إلى تجديد العمل الحزبي عبر الانفتاح على الشباب والاستثمار في تكوين النخب، بدلاً من الاعتماد على محترفي الانتخابات، بما يعزز الثقة في الممارسة السياسية ويسهم في التنمية المجتمعية.
من جهته، يعزو أحمد درداري، رئيس المركز الدولي لرصد الأزمات واستشراف السياسات، تفاقم الترحال السياسي إلى تراجع الارتباط بالمرجعيات الحزبية وضعف الالتزام بالانتماء السياسي، مما يناقض الغاية ذاتها التي أُحدثت من أجلها الأحزاب.
ويضيف أن المنطق الانتخابي أصبح يطغى على سلوك المرشحين، حيث يلجأ بعضهم إلى أحزاب أخرى توفر لهم حظوظاً أفضل للفوز أو تضعهم في مواقع متقدمة ضمن اللوائح، خاصة أولئك الذين يمتلكون إمكانيات مالية تخولهم ذلك. كما تشكل الخلافات الداخلية والأزمات المتعلقة بالتزكيات وضعف الديمقراطية الداخلية عاملاً رئيسياً في دفع السياسيين إلى الرحيل، فضلاً عن تقارب البرامج السياسية وضعف التأطير الإيديولوجي، مما يجعل التنقل بين الأحزاب أمراً عادياً في نظر بعض الفاعلين.
ويلفت درداري إلى أن الأحزاب نفسها تسهل هذه العملية وتقلل من كلفتها الأخلاقية، فيما يظل الطموح الشخصي، سواء للحفاظ على المسؤوليات أو بلوغ مناصب جديدة، حافزاً قوياً يدفع إلى تغيير الانتماء وكأن الغاية تبرر الوسيلة.
ويرى درداري أن أنصار الظاهرة يبررونها بكونها حلاً للخلافات الداخلية وتعبيراً عن تطور القناعات، ويعدونها ممارسة مشروعة ضمن حرية الانتماء السياسي، بل يرون فيها تعزيزاً للتنافس على استقطاب الكفاءات، مع الإشارة إلى أن بعض المنتقلين يظلون أوفياء لتوجهاتهم الأصلية رغم تغيير اليافطة، وهو ما يسميه البعض “إخفاء القبعة الحزبية”. في المقابل، يرى المنتقدون أن غالبية حالات الانتقال تتم قبيل الانتخابات وترتبط بالحصول على التزكيات، مما يجعلها أقرب إلى منطق المصالح الضيقة منها إلى قناعات فكرية عميقة.
ويخلص درداري إلى أن الظاهرة مركبة تتداخل فيها دوافع القناعة والمصلحة، لكن تكرارها المكثف عشية الانتخابات يعزز في أذهان الرأي العام انطباعاً بأن الدافع الانتخابي والشخصي يظل الأقوى، مما يستدعي مراجعة جادة لسلوكات الفاعلين السياسيين وأولوياتهم الحقيقية.





