هل تُدار أسعار المحروقات من البرلمان أم من السياسة؟ سقوط مقترحي “سامير” يعيد الجدل حول القرار الاقتصادي بالمغرب

الرباط: المهدي الجرباوي

أعاد إسقاط مقترحي قانون يتعلقان بتفويت أصول شركة “سامير” في إطار التصفية القضائية وتنظيم أسعار المحروقات إلى واجهة النقاش واحداً من أكثر الملفات الاقتصادية حساسية في المغرب، وهو ملف يضع الاعتبارات السياسية في مواجهة المطالب الاجتماعية، ويطرح تساؤلات متجددة حول مدى قدرة المؤسسة التشريعية على التأثير في السياسات الاقتصادية المرتبطة مباشرة بالقدرة الشرائية للمواطنين.

وفي هذا السياق، اعتبر الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أن ما جرى داخل مجلس المستشارين لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تصويت برلماني عادي، بل يعكس وجود تقاطبات سياسية ومؤسساتية واضحة حول قضايا استراتيجية تمس الأمن الطاقي ومستقبل سوق المحروقات بالمغرب.

وأوضح اليماني أن الأغلبية البرلمانية نجحت في إسقاط المقترحين بعد تعبئة سياسية واسعة، وهو ما حال، بحسب رأيه، دون تمرير مبادرات كانت ترمي إلى إعادة فتح ملف “سامير” والبحث عن آليات قانونية للحد من تداعيات الارتفاع المستمر في أسعار الوقود، التي أصبحت تشكل عبئاً متزايداً على الأسر المغربية ومختلف القطاعات الاقتصادية.

وتبرز هذه التطورات مقارنة لافتة بين الخطاب الرسمي الذي يؤكد أهمية حماية القدرة الشرائية وتعزيز المنافسة، وبين الواقع التشريعي الذي يكشف استمرار الخلاف حول الأدوات القانونية الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف.

فبينما يرى مؤيدو تحرير الأسعار أن السوق الحرة تضمن التوازن الاقتصادي، يعتبر منتقدو هذا التوجه أن غياب التكرير الوطني واستمرار تقلبات الأسعار العالمية جعلا المستهلك المغربي يتحمل كلفة أكبر دون وجود آليات كافية للحماية.

وأشار اليماني إلى أن الجدل الدستوري حول اختصاصات مجلس المستشارين في مناقشة مثل هذه المقترحات لا يزال قائماً، مؤكداً أن الحسم النهائي في مثل هذه القضايا يبقى من اختصاص المحكمة الدستورية، باعتبارها الجهة المخول لها تحديد مدى انسجام النصوص التشريعية مع مقتضيات الدستور، خاصة فيما يتعلق بالفصل بين المجال التشريعي والمجال التنظيمي.

ويرى المسؤول النقابي أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بمصير شركة “سامير”، بل أصبحت تعكس إشكالات أعمق في تدبير قطاع الطاقة الوطني، إذ إن استمرار توقف المصفاة الوحيدة لتكرير البترول بالمغرب، بالتزامن مع استمرار العمل بنظام تحرير الأسعار، يثير تساؤلات حول مدى فعالية السياسات العمومية في تحقيق الأمن الطاقي وضمان استقرار السوق وحماية المستهلك.

كما اعتبر أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة، خاصة مع انتقال النقاش إلى مجلس النواب، حيث ستتضح مواقف مختلف القوى السياسية من ملفات ترتبط بشكل مباشر بتكلفة المعيشة وأسعار الطاقة، وهي ملفات أصبحت تحتل مكانة متقدمة في أولويات الرأي العام المغربي.

وفي المحصلة، يكشف الجدل الدائر حول “سامير” وتنظيم أسعار المحروقات أن القضية تتجاوز الإطار التقني أو القانوني، لتتحول إلى اختبار حقيقي لطبيعة العلاقة بين القرار السياسي والاختيارات الاقتصادية، وبين منطق السوق ومتطلبات العدالة الاجتماعية، في وقت يزداد فيه الضغط الشعبي للمطالبة بسياسات طاقية أكثر توازناً تضمن الأمن الاقتصادي وتحافظ على القدرة الشرائية للمواطنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى