
لجنة تقصي الحقائق بين الرقابة البرلمانية والتسويق السياسي
استثمار: الرباط
عبدالعالي بنلياس أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري
إن الإعلان المفاجئ لأحزاب الأغلبية الحكومية عن استعدادها لتشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن الدعم العمومي الموجه لاستيراد الأغنام والأبقار يثير أكثر من علامة استفهام، ليس فقط حول أسباب هذا التحول، وإنما أيضاً حول مدى جدية هذه المبادرة وإمكانية تحقيق أهدافها في ظل ما تبقى من عمر الولاية التشريعية.
فالمفارقة أن الأحزاب نفسها التي تقود اليوم الدعوة إلى تشكيل اللجنة، وفي مقدمتها حزبا الأصالة والمعاصرة والاستقلال، كانت قد رفضت في وقت سابق الانضمام إلى المبادرة التي طرحتها المعارضة لتفعيل الآلية الدستورية ذاتها، بل إن الأغلبية كانت تعتبر آنذاك أن الأمر لا يستدعي تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، وهو ما حال دون توفير النصاب المطلوب. واليوم، وبعد أشهر من الجدل، أصبحت المبادرة نفسها عنواناً للخطاب السياسي للأغلبية، بل إن المعارضة أصبحت مدعوة إلى التوقيع على المبادرة التي كانت الأغلبية ترفضها بالأمس.
هذا التحول ليس ممنوعاً سياسياً، فالمواقف قد تتغير تبعاً للمعطيات والظروف، غير أن الرأي العام من حقه أن يتساءل: ما الذي تغير؟ وهل اكتشفت الأغلبية اليوم معطيات جديدة تستوجب فتح تحقيق برلماني؟ أم أن الأمر يرتبط بحسابات سياسية فرضها تصاعد النقاش العمومي حول ملف دعم استيراد الأغنام والأبقار، واقتراب موعد الانتخابات التشريعية؟
من الناحية الدستورية، لا خلاف حول أهمية لجان تقصي الحقائق باعتبارها من أقوى الآليات الرقابية التي خولها الدستور للبرلمان، فهي ليست أداة للمزايدة السياسية، وإنما وسيلة للكشف عن الحقيقة وترتيب المسؤوليات السياسية والأخلاقية، بعيداً عن منطق الأغلبية والمعارضة،غير أن نجاحها يظل رهيناً بتوفر شرطين أساسيين: الإرادة السياسية، والوقت الكافي لإنجاز المهمة.
ويكمن الاشكال الحقيقي هنا ليس في أهمية المبادرة بل في توقيتها وسياقها، فالزمن الرقابي لمجلس النواب يشرف على نهايته، والولاية التشريعية الحالية تقترب من إسدال الستار عليها، وإذا كان القانون التنظيمي المتعلق بلجان تقصي الحقائق قد حدد أجلاً أقصاه ستة أشهر لإنجاز أعمال اللجنة، فإن الممارسة البرلمانية المغربية تؤكد أن الواقع العملي أكثر تعقيداً من النصوص القانونية.
فمجرد الإعلان عن تشكيل اللجنة لا يعني مباشرة التحقيق، إذ تسبق ذلك مراحل متعددة تبدأ بجمع التوقيعات، ثم التوافق بين الفرق والمجموعات النيابية، وانتخاب مكتب اللجنة، ووضع منهجية الاشتغال، واستدعاء المسؤولين والإدارات والمؤسسات المعنية، وجمع الوثائق والمعطيات، قبل الانتقال إلى تحليلها وصياغة التقرير النهائي.
وقد أثبتت التجارب السابقة أن هذه المسطرة تحتاج إلى وقت ليس باليسير، فقد استغرقت لجنة تقصي الحقائق التي شكلها مجلس النواب بشأن أحداث سيدي إفني حوالي ستة أشهر، بينما احتاجت لجنة أحداث اكديم إيزيك إلى أربعة أشهر، واستغرقت لجنة تقصي الحقائق بمجلس المستشارين حول الصندوق المغربي للتقاعد ما يقارب ثمانية أشهر، في حين امتد عمل لجنة استيراد النفايات إلى نحو سنتين.
بل إن بعض اللجان لم تتمكن أصلاً من مباشرة أعمالها بسبب ظروف تنظيمية وسياسية، كما وقع بالنسبة للجنة الخاصة بالفيضانات التي عرفتها الأقاليم الجنوبية بسبب استقالة رئيس اللجنة السيد عبداللطيف وهبي.
وأمام هذه السوابق، يصبح من المشروع التساؤل: كيف ستتمكن لجنة تقصي الحقائق حول دعم استيراد الأغنام والأبقار من إنجاز عملها في أسابيع معدودة، بينما لم تستطع لجان سابقة إنهاء مهامها إلا بعد أشهر طويلة، وبعضها بعد سنوات؟
قد يقال إن مجرد تشكيل اللجنة يمثل انتصاراً لمبدأ الرقابة البرلمانية، لكن الرقابة لا تقاس بالإعلانات، وإنما بالنتائج. وإذا كانت اللجنة لن تتمكن، عملياً، من استكمال تحقيقها وإعداد تقريرها قبل انتهاء الولاية التشريعية، فإن المبادرة قد تتحول إلى عنوان سياسي أكثر منها آلية دستورية منتجة.
الأكثر إثارة أن المعارضة نفسها، التي عجزت عن توحيد مبادرتها في وقت سابق، تجد نفسها اليوم أمام دعوة للالتحاق بمبادرة الأغلبية، وهو مشهد يعكس، في جانب منه، حجم الارتباك الذي يطبع المشهد البرلماني، حيث تتبادل الأغلبية والمعارضة المواقع في ملف رقابي يفترض أن يكون محل توافق منذ البداية، لا موضوعاً للمزايدات المتبادلة.
إن الرقابة البرلمانية ليست مناسبة لتسجيل النقاط السياسية، ولا وسيلة لتحسين الصورة قبيل الانتخابات، وإنما هي وظيفة دستورية هدفها حماية المال العام وتعزيز الثقة في المؤسسات ،لذلك فإن معيار النجاح لن يكون في الإعلان عن تشكيل لجنة تقصي الحقائق، بل في قدرة هذه اللجنة على الوصول إلى الحقيقة، ومساءلة المسؤولين، وتقديم تقرير ذي قيمة قانونية وسياسية داخل الآجال التي تجعل من نتائجها ذات أثر عملي.
أما إذا كان الجميع يدرك مسبقاً أن الزمن المتبقي من عمر المجلس لا يسمح بإنجاز هذه المهمة، فإن الرأي العام سيظل يتساءل: هل نحن أمام ممارسة رقابية حقيقية، أم أمام مبادرة سياسية فرضتها حرارة الاستعداد للانتخابات أكثر مما فرضتها الرغبة في كشف الحقيقة.





