المغرب يتقدم في مؤشر حقوق الطفل… هل تعكس الأرقام واقع الطفولة أم تخفي تحديات أكبر؟

الرباط: إدريس بنمسعود

شهد المغرب خلال سنة 2026 تقدماً لافتاً في المؤشر العالمي لحقوق الطفل، بعدما ارتقى إلى المرتبة 33 عالمياً، متقدماً بـ13 مركزاً مقارنة بالسنة الماضية، في إنجاز يعكس تحسناً في عدد من المؤشرات المرتبطة بحماية الطفولة وضمان حقوقها الأساسية.

غير أن هذا التقدم، رغم أهميته، يثير تساؤلاً جوهرياً: هل تعكس التصنيفات الدولية حقيقة الواقع الذي يعيشه الأطفال، أم أنها تقيس جانباً من الصورة فقط؟
ويأتي هذا الإنجاز المغربي في وقت يرسم فيه التقرير العالمي الصادر عن مؤسسة “كيدز رايتس” بالتعاون مع جامعة “إيراسموس روتردام” صورة قاتمة لوضع الأطفال عبر العالم، حيث يسجل المؤشر تراجعاً غير مسبوق في حماية حقوق الطفولة بسبب تصاعد الحروب والنزاعات المسلحة، وارتفاع وتيرة العنف الجنسي ضد الأطفال، إلى جانب تنامي ظاهرة السمنة التي تحولت إلى أزمة صحية عالمية تهدد الأجيال الصاعدة.

وبينما يحقق المغرب تقدماً في سلم التصنيف، تكشف التجارب الدولية أن تحسين المراكز لا يعني بالضرورة انتهاء التحديات.

فما تزال قضايا جودة التعليم، والولوج المتكافئ إلى الخدمات الصحية، وحماية الأطفال من الهدر المدرسي، والاستغلال الاقتصادي، والعنف الأسري والرقمي، ملفات تتطلب عملاً مستمراً لضمان انتقال الإنجاز من مستوى المؤشرات إلى واقع يلمسه الأطفال في حياتهم اليومية.

وعلى المستوى الدولي، يبرز التقرير أن الأطفال أصبحوا أول ضحايا الصراعات المسلحة، حيث يعيش أكثر من طفل من بين كل خمسة أطفال في العالم تحت التأثير المباشر للنزاعات، بينما ترتفع معدلات الانتهاكات الخطيرة، من تجنيد الأطفال إلى استهداف المدارس والمرافق الصحية، فضلاً عن النزوح الجماعي وسوء التغذية الذي يهدد مئات الآلاف منهم، خاصة في مناطق الأزمات الإنسانية.

وفي المقابل، تكشف أزمة السمنة عن وجه آخر لمعاناة الأطفال، لكنها هذه المرة داخل المجتمعات المستقرة. فبعدما كانت السمنة مرتبطة بالدول الغنية، أصبحت تنتشر بوتيرة متسارعة في البلدان النامية ومتوسطة الدخل، بما فيها منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، نتيجة تغير أنماط التغذية، وانتشار الأغذية المصنعة، وتراجع النشاط البدني، وهو ما يجعل حماية الطفل اليوم لا تقتصر على توفير الغذاء، بل تشمل أيضاً ضمان غذاء صحي وبيئة سليمة.

ويرى معدو التقرير أن حقوق الطفل أصبحت مهددة بعوامل لا يملك الأطفال أي قدرة على التحكم فيها، سواء تعلق الأمر بالحروب أو بالتغيرات الاقتصادية والاجتماعية أو بالأنظمة الغذائية غير الصحية، وهو ما يفرض على الحكومات اعتماد سياسات أكثر شمولية تجعل مصلحة الطفل محوراً أساسياً في كل البرامج العمومية.

وبالنسبة للمغرب، فإن الحفاظ على هذا التقدم الدولي يقتضي الانتقال من منطق تحسين التصنيف إلى ترسيخ الحقوق على أرض الواقع، عبر الاستثمار في المدرسة العمومية، وتطوير خدمات الصحة النفسية والجسدية للأطفال، وتعزيز الحماية الاجتماعية، ومواجهة مختلف أشكال العنف والاستغلال، إلى جانب نشر ثقافة الوقاية والتغذية السليمة.

وفي النهاية، يبعث تقدم المغرب في المؤشر برسالة إيجابية تؤكد أن الإصلاحات يمكن أن تؤتي ثمارها عندما تستند إلى رؤية واضحة. غير أن المؤشرات الدولية، مهما كانت مشجعة، تبقى مجرد أدوات للقياس، بينما يبقى المعيار الحقيقي هو قدرة كل طفل على أن يعيش في بيئة آمنة، ويحصل على تعليم جيد، ورعاية صحية متكاملة، وفرص متساوية لبناء مستقبل يليق بحقوقه وكرامته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى