الملك يطلق خارطة الطريق المالية للمغرب الصاعد… تمويل المقاولات وتعبئة الادخار في صلب معركة التنمية

الرباط: إستثمار

أكد الملك محمد السادس، في الخطاب الذي وجهه إلى الأمة بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش، أن المرحلة الجديدة التي يعيشها المغرب تفرض على القطاع المالي الاضطلاع بدور أكثر فاعلية في مواكبة التحول الاقتصادي والاجتماعي، داعيا إلى إحداث نقلة نوعية في تمويل المقاولات، خاصة الصغرى والمتوسطة، وتوسيع الولوج إلى التمويلات البنكية وغير البنكية، بما يعزز الاستثمار والإنتاج والتصدير والابتكار، ويضمن تعبئة الادخار الوطني وإنعاش الأسواق المالية لخدمة التنمية.

وجاءت الرسالة الملكية لتؤكد أن المشاريع الكبرى التي أطلقها المغرب خلال السنوات الأخيرة تحتاج إلى موارد مالية غير مسبوقة، وأن الرهان الأساسي ينبغي أن يكون على تعبئة الإمكانيات الوطنية، عبر منظومة مالية أكثر دينامية وابتكارا، قادرة على تحويل الادخار إلى استثمار منتج، ودعم المقاولة باعتبارها المحرك الرئيسي للنمو وخلق فرص الشغل.

ويعكس هذا التوجه رؤية استراتيجية تجعل من التمويل أحد أهم مفاتيح المرحلة المقبلة، حيث لم يعد دور الأبناك والمؤسسات المالية يقتصر على توفير القروض التقليدية، بل أصبح مطالبا بمواكبة التحولات الاقتصادية، وابتكار أدوات تمويل جديدة تستجيب لمتطلبات الاقتصاد الوطني وتواكب الطموحات التنموية للمملكة في أفق السنوات المقبلة.

ويرى عدد من المحللين أن الخطاب الملكي شكل محطة سياسية ودستورية مفصلية، إذ لم يقتصر على تشخيص الوضع الاقتصادي، بل رسم ملامح مرحلة جديدة تقوم على تثمين المنجزات ومواجهة التحديات في آن واحد، من خلال مقاربة تجمع بين الواقعية والطموح، وتوازن بين الحفاظ على الاستقرار وتسريع وتيرة الإصلاحات.

وفي هذا السياق، أبرز الخطاب أن المغرب استطاع تحقيق نتائج اقتصادية مهمة، من بينها تسجيل نمو يقارب 4.9 في المائة خلال سنة 2025، مع توقعات بالحفاظ على الوتيرة نفسها أو تجاوزها خلال سنة 2026، مستفيدا من موسم فلاحي جيد وتحسن الموارد المائية، وهو ما انعكس إيجابا على الأمنين الغذائي والمائي.

كما سلط الخطاب الضوء على التحول العميق الذي عرفه النسيج الصناعي الوطني، حيث أصبح المغرب أول مصدر للسيارات في القارة الإفريقية بطاقة إنتاجية تناهز مليون سيارة سنويا، إلى جانب التطور المتواصل الذي تعرفه صناعات الطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية والبطاريات الكهربائية، وهي قطاعات باتت تمثل أكثر من 40 في المائة من إجمالي الصادرات المغربية، بما يؤكد انتقال الاقتصاد الوطني إلى مرحلة أكثر تنوعا وتنافسية.

ولم يغفل الخطاب التأكيد على أن مفهوم السيادة الاقتصادية أصبح يشكل أحد المرتكزات الأساسية للسياسات العمومية، من خلال الاستثمار في الصناعات الدفاعية والأمن السيبراني والهيدروجين الأخضر، باعتبارها مجالات استراتيجية ستعزز استقلالية المغرب، وتفتح آفاقا جديدة للاستثمار ونقل التكنولوجيا وخلق فرص الشغل.

كما أشار إلى أن إطلاق مشاريع الهيدروجين الأخضر، إلى جانب التطور الكبير الذي يعرفه القطاع السياحي، والذي سجل رقما قياسيا باستقبال ما يقارب 20 مليون سائح خلال سنة 2025، يعكس نجاح المملكة في تنويع محركات النمو وتعزيز جاذبيتها الاقتصادية على المستويين الإقليمي والدولي.

ويجمع المتابعون على أن الخطاب أكد أن الأوراش الكبرى التي يقودها المغرب تتجاوز منطق التدبير الحكومي الظرفي، وتندرج ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تستهدف تحقيق الأمن الطاقي والغذائي، وترسيخ السيادة الصناعية، وتعزيز مكانة المملكة كشريك اقتصادي موثوق على الصعيد الدولي.

وفي المقابل، لم يكتف الخطاب بإبراز الأرقام والمؤشرات الاقتصادية، بل شدد على أن نجاح أي نموذج تنموي يقاس بقدرته على تحسين الحياة اليومية للمواطنين، من خلال الرفع من جودة الخدمات العمومية، وتعزيز القدرة الشرائية، وتوسيع فرص التشغيل، بما يجعل ثمار النمو الاقتصادي تنعكس بشكل ملموس على مختلف فئات المجتمع.

كما جدد الملك التأكيد على أن نجاح هذه الرؤية يقتضي تكامل الأدوار بين المؤسسة الملكية، التي ترسم الاختيارات الاستراتيجية الكبرى، والحكومة التي تتولى تنزيلها عبر السياسات العمومية، وهو ما يجعل الحكومة المقبلة مطالبة بمواصلة الإصلاحات وتسريع تنفيذ المشاريع الكبرى، مع ضمان استدامة النمو الاقتصادي وتحويله إلى تنمية شاملة تحقق العدالة المجالية والاجتماعية.

وبذلك، حمل خطاب عيد العرش لسنة 2026 رسائل واضحة مفادها أن المرحلة المقبلة ستكون عنوانها تعبئة الموارد الوطنية، وتعزيز دور القطاع المالي، وترسيخ السيادة الاقتصادية، مع جعل المواطن في صلب معادلة التنمية، حتى تتحول الإنجازات الاقتصادية إلى مكاسب اجتماعية محسوسة تعزز الثقة في النموذج التنموي للمملكة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى