
بورصة الدار البيضاء تحقق أرقاماً تاريخية… والقدرة الشرائية في الاتجاه المعاكس
الرباط : المهدي الجرباوي
تكشف النتائج المالية للشركات المدرجة في بورصة الدار البيضاء عن سنة استثنائية من حيث النمو والربحية، إذ بلغت مداخيلها الإجمالية مع نهاية سنة 2025 نحو 360 مليار درهم، فيما قفزت أرباحها الصافية إلى 52 مليار درهم، بزيادة قوية بلغت 38.3 في المائة مقارنة بسنة 2024.
وهي أرقام تعكس دينامية واضحة داخل الاقتصاد المنظم، لكنها تعيد في المقابل طرح السؤال الذي يتكرر مع كل إعلان عن نتائج مالية قياسية: إلى أي حد ينعكس هذا النجاح على الاقتصاد الحقيقي وعلى القدرة الشرائية للمواطنين؟
المعطيات الصادرة عن الهيئة المغربية لسوق الرساميل تؤكد أن القطاع البنكي لا يزال اللاعب الأكثر تأثيراً داخل السوق المالية، بعدما استحوذ وحده على 42 في المائة من إجمالي الأرباح المحققة، متبوعاً بقطاع الاتصالات بحصة بلغت 13 في المائة. هذا التركز يعكس استمرار هيمنة قطاعات محدودة على خلق الثروة، بينما لا تزال قطاعات إنتاجية أخرى تسجل مساهمة أقل، وهو ما يطرح تحديات مرتبطة بتنويع مصادر النمو الاقتصادي.
كما أظهرت النتائج أن 19 قطاعاً تمكنت من تحسين أرباحها خلال سنة 2025، حيث تصدر قطاع الاتصالات قائمة الرابحين بإضافة تجاوزت 5.2 مليارات درهم، بينما حققت قطاعات المعادن والبنوك والعقار ومواد البناء مكاسب مهمة بلغت 2.8 و2.4 و2.3 مليارات درهم على التوالي.
ويعكس هذا الأداء استفادة هذه القطاعات من تحسن الاستثمار وارتفاع الطلب واستمرار المشاريع الكبرى التي تشهدها المملكة.
في المقابل، لم يكن النمو شاملاً لجميع الأنشطة الاقتصادية، إذ أنهت خمسة قطاعات السنة بنتائج متراجعة، وعلى رأسها الصناعات الغذائية والكيمياء، اللذان سجلا أكبر الانخفاضات. وتبرز هذه المفارقة أن الاقتصاد المغربي يعيش بسرعتين؛ قطاعات تحقق أرباحاً متزايدة مدفوعة بالاستثمار والتمويل، وأخرى تواجه ضغوطاً مرتبطة بكلفة الإنتاج وتقلبات الأسواق وضعف الاستهلاك.
أما على مستوى رقم المعاملات، فقد ارتفع بنسبة 10 في المائة ليصل إلى 360 مليار درهم، وهو ما يؤكد استمرار توسع النشاط الاقتصادي للشركات المدرجة.
واستأثر القطاع البنكي وحده بـ27 في المائة من هذا الرقم، بعدما بلغت مداخيله 96.4 مليار درهم، بينما حل قطاع العقار ومواد البناء في المرتبة الثانية بإيرادات بلغت 53.5 مليار درهم، مستفيداً من انتعاش المشاريع العقارية والبنيات التحتية.
وتبرز المقارنة مع سنة 2024 أن قطاعات العقار ومواد البناء والمعادن والبنوك والتوزيع كانت المحرك الأساسي لنمو المداخيل، في حين تراجع أداء قطاعات أخرى، أبرزها النفط والغاز الذي فقد 1.4 مليار درهم من رقم معاملاته، إضافة إلى قطاع الصناعات الغذائية الذي سجل انخفاضاً يقارب 392 مليون درهم، وهو ما يعكس استمرار تأثير تقلبات الأسواق الدولية وارتفاع تكاليف الإنتاج.
ورغم أن هذه النتائج تؤكد متانة الشركات الكبرى المدرجة في البورصة وقدرتها على تحقيق أرباح قياسية، فإنها تعيد فتح النقاش حول مدى انعكاس هذه المؤشرات الإيجابية على الاقتصاد الاجتماعي.
فارتفاع أرباح المؤسسات المالية والصناعية لا يعني بالضرورة تحسناً في مستوى عيش المواطنين، خاصة في ظل استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع كلفة المعيشة. لذلك يبقى التحدي الحقيقي أمام الاقتصاد المغربي ليس فقط في تحقيق أرقام مالية قياسية، بل في تحويل هذه الأرباح إلى استثمارات منتجة، وفرص شغل مستدامة، وتحسين ملموس للدخل والقدرة الشرائية، حتى يصبح النمو الاقتصادي محسوساً داخل حياة المواطنين، وليس مجرد أرقام تتصدر التقارير المالية.





