النفط يشتعل عالمياً.. فهل يستعد المغاربة لصدمة جديدة في أسعار المحروقات؟

الرباط: إستثمار

عاد شبح ارتفاع أسعار المحروقات ليخيم من جديد على السوق المغربية، بعدما قفزت أسعار النفط العالمية بأكثر من 5 في المائة خلال جلسة واحدة، واستقرت في بداية تعاملات الثلاثاء عند مستويات هي الأعلى منذ أكثر من أسبوع، في تطور يضع المستهلك المغربي أمام احتمال مواجهة موجة جديدة من الغلاء إذا استمر صعود أسعار الخام خلال الأيام المقبلة.

واستقرت العقود الآجلة لخام برنت عند 87.81 دولاراً للبرميل، بينما سجل خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي نحو 82.20 دولاراً، بعدما حقق الخامان القياسيان مكاسب قوية خلال جلسة الاثنين، ليبلغا أعلى مستوياتهما منذ 31 يوليوز الماضي.

ورغم أن ارتفاع النفط في الأسواق الدولية لا يعني بشكل آلي ارتفاع أسعار المحروقات في المغرب بالوتيرة نفسها، فإن استمرار الخام عند مستويات مرتفعة يضع ضغوطاً واضحة على تكلفة الاستيراد، خصوصاً أن المغرب يعتمد بشكل كبير على الأسواق الخارجية لتأمين حاجياته من المنتجات النفطية.

المشكلة بالنسبة إلى المواطن المغربي لا تكمن فقط في ثمن لتر البنزين أو الغازوال، وإنما في سلسلة طويلة من التأثيرات غير المباشرة. فالمحروقات تدخل في تكلفة نقل الأشخاص والبضائع، كما ترتبط بتكاليف الإنتاج والتوزيع والفلاحة والخدمات واللوجستيك، وبالتالي فإن أي ارتفاع مستمر في أسعار الطاقة يمكن أن يتحول تدريجياً إلى موجة تضخمية تضرب قطاعات متعددة.

وهنا تبرز المفارقة التي أصبحت تثير غضباً متزايداً لدى المستهلكين: عندما تنخفض أسعار النفط عالمياً، لا يشعر المواطن دائماً بانخفاض مماثل وسريع في الأسعار بمحطات الوقود، بينما يصبح ارتفاع النفط عالمياً سبباً جاهزاً لتبرير أي زيادة جديدة في الأسعار المحلية.

وهذه المعادلة تطرح مجدداً سؤالاً حول مدى شفافية سوق المحروقات بالمغرب، وحول الطريقة التي يتم بها احتساب أسعار البيع للمستهلك، وحجم تأثير الأسعار الدولية في السعر النهائي، إضافة إلى هوامش الربح والتكاليف المختلفة التي تدخل في تحديد ثمن كل لتر.

فالمغربي لا يشتري النفط الخام مباشرة من الأسواق الدولية، وإنما يشتري منتجاً نهائياً يخضع لسلسلة من العمليات والتكاليف قبل وصوله إلى محطة الوقود.

ولذلك فإن مقارنة السعر المحلي بسعر برميل النفط تحتاج إلى قراءة دقيقة تشمل أسعار المنتجات المكررة، وتكاليف النقل والتأمين والتخزين، وسعر صرف الدولار، والضرائب، وهوامش الفاعلين في السوق.

لكن هذه التفاصيل التقنية لا تلغي واقعاً أكثر حساسية: أي ارتفاع كبير ومستمر في المحروقات يصل في النهاية إلى جيب المواطن.

فارتفاع تكلفة النقل يرفع كلفة نقل المواد الغذائية، وارتفاع تكاليف الإنتاج يضغط على أسعار السلع، كما تجد الشركات نفسها أمام مصاريف إضافية قد تدفعها إلى رفع أسعار خدماتها أو تقليص استثماراتها.

وبذلك يتحول النفط من مجرد سلعة متداولة في البورصات العالمية إلى عامل مباشر في تحديد مستوى المعيشة داخل الأسر المغربية.

وتأتي هذه التطورات في وقت ما تزال فيه القدرة الشرائية تشكل واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل المجتمع المغربي، بعدما أصبحت الأسر تواجه ارتفاعات متكررة في تكاليف عدد من المواد والخدمات.

وبالتالي فإن موجة جديدة في أسعار المحروقات ستكون بمثابة ضغط إضافي على ميزانيات الأسر، خصوصاً بالنسبة إلى الفئات التي تعتمد على السيارات بشكل يومي أو تلك التي ترتبط مداخيلها بقطاع النقل.

كما أن استمرار النفط فوق مستويات مرتفعة قد يفرض على الحكومة مراقبة الوضع عن قرب، ليس فقط من زاوية تأثيره على الأسعار، وإنما أيضاً من زاوية انعكاسه على فاتورة الطاقة وعلى التوازنات المالية والاقتصادية للبلاد.

والأخطر أن الخطر لا يرتبط بارتفاع يوم أو أسبوع، وإنما باستمرار الأسعار المرتفعة لفترة طويلة. فإذا تحولت القفزة الحالية إلى اتجاه صاعد مستمر، فإن آثارها ستصبح أكثر وضوحاً على التضخم وعلى تكاليف الإنتاج والنقل، وقد تجد الحكومة نفسها أمام خيارات صعبة بين ترك الأسعار تتفاعل مع السوق الدولية أو البحث عن آليات لتخفيف أثر الصدمة على المواطنين.

وفي المقابل، فإن استمرار الاعتماد الكبير على الخارج لتأمين حاجيات الطاقة يجعل الاقتصاد المغربي معرضاً بدرجات متفاوتة للصدمات القادمة من الأسواق الدولية.

وكلما ارتفع سعر النفط، ارتفعت فاتورة الطاقة، وكلما طال أمد الارتفاع، أصبحت تكلفة امتصاص هذه الصدمة أكبر.

وهنا تعود إلى الواجهة ضرورة تسريع الانتقال الطاقي وتنويع مصادر الطاقة وتطوير الطاقات المتجددة، ليس فقط باعتبارها خيارات بيئية، وإنما أيضاً باعتبارها أدوات لحماية الاقتصاد الوطني من تقلبات سوق النفط العالمية.

فالمعادلة أصبحت واضحة: عندما تهتز أسواق النفط العالمية، لا يبقى أثر الهزة محصوراً في البورصات وشاشات التداول، بل يمكن أن يصل إلى محطة الوقود، ثم إلى شاحنة نقل البضائع، ثم إلى المتجر، وفي النهاية إلى جيب المواطن.

وبينما يراقب المستثمرون ما إذا كان خام برنت سيتجاوز حاجز 90 دولاراً للبرميل، يراقب المواطن المغربي مؤشراً آخر أكثر قرباً من حياته اليومية: إلى أين ستتجه أسعار المحروقات؟
وإذا استمرت أسعار النفط في الصعود، فقد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت المحروقات سترتفع، وإنما إلى أي حد يمكن أن ترتفع، ومن سيدفع فاتورة هذه الموجة الجديدة من الغلاء؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى