قوافل التعمير والإسكان لمغاربة العالم.. هل وصلت الخدمة إلى المواطن أم توقفت عند حدود “الاستقبال”؟

الرباط: إدريس بنمسعود

أطلقت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة قافلة التعمير والإسكان في خدمة مغاربة العالم من مدينة طنجة، في مبادرة ترمي، وفق الخطاب الرسمي، إلى تقريب الإدارة من المواطنين، وتسهيل الولوج إلى المعلومات والخدمات، ومواكبة أفراد الجالية المغربية في ملفات التعمير والسكن والاستثمار.

وتأتي هذه الخطوة في سياق يتكرر كل صيف، حيث يرتفع حضور مغاربة العالم داخل التراب الوطني، وترتفع معه أيضاً شكايات وتساؤلات مرتبطة بالعقار، ورخص البناء، والوثائق الإدارية، والتعمير، والاستثمار، والولوج إلى برامج السكن.

ولذلك تبدو فكرة القافلة، من حيث المبدأ، منسجمة مع سياسة القرب، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمواطن يعيش خارج المغرب ولا يملك دائماً الوقت أو المعرفة الكافية بتعقيدات المساطر والإدارات المتداخلة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه، بعيداً عن لغة البلاغات الرسمية، هو: هل استطاعت هذه القوافل فعلاً حل الإشكالات التي ينتظر مغاربة العالم معالجتها، أم أنها اكتفت بتوفير فضاء جديد للاستقبال وتقديم المعلومات؟

فالوزارة تتحدث عن وكالة متنقلة مجهزة، ستجوب عدداً من المدن المغربية، من بينها وجدة ومكناس والرشيدية وبني ملال ومراكش وأكادير والعيون والدار البيضاء والرباط، وستوفر الاستقبال والاستشارة والتوجيه، مع إشراك مجموعة العمران والوكالات الحضرية والمصالح التابعة للوزارة.

وهنا تظهر أولى نقاط المقارنة: هناك فرق كبير بين إرشاد المواطن إلى الإدارة التي ينبغي أن يتوجه إليها، وبين تمكينه من حل مشكلته فعلياً.

فالمواطن، سواء كان مقيماً بالمغرب أو بالخارج، لا يبحث بالضرورة عن مزيد من النوافذ أو المنشورات أو الأرقام الهاتفية، وإنما يريد مسطرة واضحة، وآجالاً محددة، وقراراً إدارياً معللاً، وإمكانية تتبع ملفه دون التنقل بين أكثر من مؤسسة.

ومن هذه الزاوية، فإن نجاح القافلة لا ينبغي أن يقاس بعدد المدن التي زارتها، ولا بعدد المواطنين الذين تم استقبالهم، وإنما بعدد الملفات التي تم حلها، والطلبات التي تمت معالجتها، والمساطر التي تم اختصارها، والمدة التي تم توفيرها على المواطن.

وتزداد أهمية هذا التقييم عندما يتعلق الأمر بمغاربة العالم، الذين يواجه بعضهم صعوبة في تدبير ملفات عقارية أو عمرانية من خارج المغرب، وقد يضطرون إلى توكيل أفراد من أسرهم أو الاستعانة بوسطاء، وهو ما يجعل تبسيط المساطر والرقمنة والتنسيق بين الإدارات أكثر أهمية من مجرد تنظيم قافلة موسمية.

وتؤكد الوزارة أن المبادرة تستند إلى مقاربة شاملة تشمل أيضاً إحداث نقط للاستقبال والمواكبة بالموانئ والمطارات ومحطات القطار فائق السرعة، وتنظيم أيام مفتوحة، واعتماد المداومة خارج أوقات العمل الرسمية، إلى جانب توفير منصات رقمية وأرقام للتواصل.

وهي إجراءات تبدو إيجابية من حيث المبدأ، لكنها تطرح بدورها سؤالاً حول مدى استمراريتها وفعاليتها بعد انتهاء موسم الصيف. فالمواطن لا يحتاج إلى إدارة قريبة منه فقط خلال فترة عودة الجالية، بل يحتاج إلى إدارة ناجعة طوال السنة.

كما أن الاعتماد المتزايد على المنصات الرقمية لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن معالجة المشاكل البنيوية التي تعترض المواطن، خصوصاً عندما تكون المساطر نفسها معقدة أو عندما تتوزع المسؤوليات بين الجماعات والوكالات الحضرية والقطاعات الحكومية ومؤسسات أخرى.

وفي هذا السياق، فإن برنامج الدعم المباشر للسكن، الذي تروج له القافلة ضمن الخدمات المقدمة، يمثل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الإدارة على الانتقال من مرحلة التواصل إلى مرحلة المواكبة الفعلية، لأن المواطن يريد معرفة شروط الاستفادة، ووضعية طلبه، والوثائق المطلوبة، وأسباب الرفض إن حصل، وكيفية الطعن أو تصحيح الملف، وليس فقط التعرف على البرنامج.

وبالمقارنة مع مفهوم الإدارة الحديثة، فإن القافلة التقليدية التي تنتقل من مدينة إلى أخرى تظل خطوة مفيدة، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عن إدارة رقمية ومندمجة تعمل بمنطق “الملف الواحد” و”الشباك الموحد”، حيث يستطيع المواطن إيداع طلبه وتتبع مراحله والحصول على جواب داخل أجل واضح دون الحاجة إلى التنقل المتكرر.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي أمام وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة: هل تستطيع هذه المبادرة أن تترك أثراً دائماً في علاقة المواطن بالإدارة، أم أنها ستظل مرتبطة بالموسم الصيفي وبعودة مغاربة العالم؟

فالنجاح الحقيقي لا يكمن في أن تستقبل القافلة مئات أو آلاف المواطنين، وإنما في أن يعود هؤلاء إلى بلدان إقامتهم وهم يحملون حلولاً فعلية لملفاتهم، لا مجرد معلومات جديدة وأرقام هواتف ومواعيد لمراجعة إدارات أخرى.

كما أن قياس نتائج هذه المبادرة يجب أن يتم بشفافية من خلال نشر حصيلة دقيقة بعد انتهاء القافلة: عدد المستفيدين، طبيعة الملفات المعروضة، عدد الطلبات التي تمت تسويتها، عدد الملفات التي بقيت عالقة، متوسط آجال المعالجة، ونسبة رضا المواطنين.

وبدون هذه المؤشرات يبقى الحكم على نجاح القافلة صعباً، وقد تتحول المبادرة، رغم نبل أهدافها، إلى مجرد صورة جديدة من صور التواصل الإداري التي تبدو جذابة في البلاغات، لكنها لا تعالج بالضرورة جوهر المشكلة.

إن مغاربة العالم لا ينتظرون فقط إدارة تستقبلهم، بل إدارة تنصت إليهم، وتفهم مشاكلهم، وتختصر مساطرهم، وتحل ملفاتهم، وتحاسب نفسها على النتائج. وبين هذا الطموح وما تقدمه القوافل فعلياً، ستبقى المسافة هي المعيار الحقيقي للحكم على نجاح هذه المبادرة.

وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الذي سيحسم الجدل ليس ما إذا كانت القوافل قد انطلقت، ولا كم مدينة ستزورها، وإنما سؤال أبسط وأكثر صرامة: كم مواطناً عاد من القافلة وقد حُلّت مشكلته فعلاً؟

فهنا تحديداً يمكن معرفة ما إذا كانت قوافل التعمير والإسكان قد أصبحت أداة حقيقية لخدمة المواطن، أم أنها لا تزال في مرحلة الاستقبال والتوجيه فقط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى