
الميركاتو النسائي يشعل سباق التزكيات.. هل تتحول لوائح 2026 إلى ساحة للمحسوبية؟
الرباط :إستثمار
تدخل الأحزاب السياسية المغربية مرحلة حاسمة في سباق إعداد لوائحها الانتخابية الجهوية، وسط منافسة متزايدة بين المرشحات للظفر بالتزكية وقيادة اللوائح، في مشهد يكشف أن معركة الانتخابات التشريعية المقبلة لا تدور فقط حول البرامج والرهانات السياسية، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير داخل مطابخ الأحزاب، حيث تتقاطع الكفاءة والحضور التنظيمي مع الحسابات الانتخابية والتوازنات الداخلية.
ومع اقتراب موعد الاستحقاقات، تتباين سرعة الأحزاب في حسم أسماء المرشحات. فبعض التنظيمات قطعت أشواطاً متقدمة في اختيار وكيلات اللوائح، بينما لا تزال أخرى غارقة في مشاورات واجتماعات ولجان انتقاء، وهو ما يعكس اختلافاً واضحاً في طرق تدبير الترشيحات، وفي طبيعة الصراعات والتوازنات التي تحكم القرار داخل كل حزب.
لكن الإشكال الأكبر لا يرتبط فقط بتأخر الإعلان عن الأسماء، وإنما بالمعايير التي ستحدد في النهاية من تستحق قيادة اللائحة. فبينما تتحدث الأحزاب عن الكفاءة والمستوى الدراسي والتجربة السياسية والقدرة على استقطاب الناخبين، تبرز في الكواليس اعتبارات أخرى مرتبطة بالنفوذ التنظيمي والعلاقات الشخصية والبحث عن أسماء قريبة من مراكز القرار الحزبي، الأمر الذي يعيد إلى الواجهة سؤالاً حساساً حول مدى استقلالية مساطر التزكية ومدى تحول بعض الترشيحات إلى امتداد للتوازنات الداخلية أكثر منها تعبيراً عن الكفاءة والتمثيلية السياسية.
ويبدو حزب التقدم والاشتراكية من بين التنظيمات التي اقتربت من إغلاق هذا الملف، بعدما أعلن عن أسماء مرشحاته في تسع دوائر جهوية، فيما يتجه إلى استكمال اللائحة في جهات بني ملال-خنيفرة والعيون-الساقية الحمراء والداخلة-وادي الذهب.
ويعتمد الحزب، وفق المعطيات المتداولة، على لجنة مكلفة بإجراء مقابلات مع المرشحات والاطلاع على طموحاتهن ورهاناتهن قبل رفع خلاصاتها إلى المكتب السياسي، باعتباره الجهة المخولة بالحسم في التزكيات.
هذه الطريقة قد تبدو أكثر تنظيماً من مجرد الاختيار السياسي المباشر، لكنها تطرح في المقابل سؤالاً حول مدى قدرة المقابلات واللجان على تحقيق المفاضلة الحقيقية بين المرشحات، خصوصاً عندما تكون المنافسة قوية داخل الدائرة نفسها، وحين تتداخل الاعتبارات التنظيمية مع الحسابات الانتخابية.
أما حزب التجمع الوطني للأحرار، فقد حسم بالفعل في ثلاث وكيلات للوائح، ويتعلق الأمر بنبيلة الرميلي بجهة الدار البيضاء-سطات، ومريم بوعيدة بجهة كلميم-واد نون، وأميرة حرمة الله بجهة الداخلة-وادي الذهب، بينما تواصل اللجنة الوطنية للانتخابات عملها من أجل استكمال باقي الترشيحات.
ويبدو أن الحزب يراهن على مجموعة من المعايير للمفاضلة بين المرشحات، من بينها المستوى الدراسي، غير أن الرهان الحقيقي سيظل مرتبطاً بقدرة الأسماء المختارة على ترجمة الحضور السياسي والتنظيمي إلى أصوات انتخابية، خصوصاً في دوائر تعرف منافسة قوية وتوازنات محلية معقدة.
في المقابل، لم يكشف الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بعد عن مرشحاته للدوائر الجهوية، في انتظار اجتماع الأجهزة المكلفة بالترشيحات، حيث يفترض أن تمر الأسماء عبر لجان للبت تضم مسؤولين مركزيين وجهويين ووكلاء اللوائح المحلية. وهذه الصيغة تعكس محاولة لتحقيق نوع من التوازن بين القرار المركزي والواقع التنظيمي في الجهات، لكنها لا تلغي احتمال بروز صراعات حول الأسماء التي ستحظى بالتزكية النهائية.
أما الأصالة والمعاصرة، فيتعامل مع الملف بدرجة كبيرة من السرية، بعدما أوكل إلى لجنة مصغرة مشتركة مهمة دراسة الترشيحات ورفع خلاصاتها إلى الهيئات المختصة. هذا التكتم قد يكون جزءاً من استراتيجية لتجنب تسريب الأسماء قبل الحسم، لكنه في الوقت نفسه يترك الباب مفتوحاً أمام التكهنات حول طبيعة المعايير المعتمدة وحجم التنافس الداخلي.
وفي حزب الاستقلال، لا تزال المنافسة مفتوحة بين عدد من الوجوه النسائية، خصوصاً في جهة الدار البيضاء-سطات، في وقت لم يحسم فيه الحزب بعد جميع الأسماء التي ستقود لوائحه الجهوية. وتكتسب هذه المنافسة أهمية خاصة بالنظر إلى الوزن الانتخابي والسياسي للجهة، ما يجعل التزكية فيها أكثر من مجرد اختيار لاسم؛ إنها قرار يمكن أن يؤثر في صورة الحزب ونتيجته الانتخابية.
أما حزب العدالة والتنمية، فقد كان من بين التنظيمات التي سبقت إلى الحسم، بعدما اختار مرشحاته الاثنتي عشرة على مستوى الجهات، وإن لم تخل العملية من اختلاف في وجهات النظر بين الأمانة العامة والكتابات الجهوية بشأن بعض الأسماء.
وبين هذا الحزب وذاك، تكشف طريقة اختيار المرشحات عن واحدة من أكثر الإشكالات حساسية في الانتخابات المغربية: هل أصبحت مشاركة النساء في الحياة السياسية مسألة مرتبطة فعلاً بالكفاءة والقدرة على التمثيل، أم أن بعض الأحزاب لا تزال تتعامل مع اللوائح النسائية باعتبارها ملفاً تنظيمياً ينبغي تدبيره لتحقيق التوازنات الداخلية والانتخابية؟
فارتفاع عدد النساء في اللوائح لا يعني بالضرورة تطوراً نوعياً في التمثيلية السياسية.
الأهم هو طبيعة الأسماء التي يتم اختيارها، ومدى استقلاليتها، وخبرتها، وقدرتها على صياغة مواقف وبرامج والتواصل مع المواطنين، ثم مدى امتلاكها لقرار سياسي حقيقي داخل المؤسسات المنتخبة. فالمرأة التي تصل إلى البرلمان بقرار تزكية مبني على القرب من القيادة ليست بالضرورة أكثر تمثيلية من أخرى تمتلك رصيداً نضالياً وتنظيمياً ومجتمعياً، لكنها تفتقد شبكة العلاقات داخل الحزب.
وتزداد أهمية هذا النقاش مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، لأن معركة اللوائح الجهوية ستكون أيضاً اختباراً لمصداقية الأحزاب في تجديد نخبها السياسية. فإذا كانت الأحزاب تتحدث باستمرار عن ضرورة إشراك الكفاءات والطاقات الجديدة، فإن مرحلة التزكيات هي اللحظة التي ينبغي أن تترجم فيها هذه الشعارات إلى قرارات فعلية.
كما أن التركيز على أسماء بعينها بسبب قربها من القيادات أو امتلاكها نفوذاً داخل التنظيم قد يحمل مخاطر سياسية على المدى البعيد. فهو قد يؤدي إلى إعادة إنتاج النخب نفسها، وإضعاف التنافس الداخلي، وإحباط أسماء نسائية تمتلك مؤهلات حقيقية لكنها لا تتوفر على العلاقات التنظيمية الكافية للوصول إلى مواقع متقدمة.
ومن زاوية أخرى، لا يمكن تجاهل الحسابات الانتخابية. فالأحزاب لا تختار مرشحاتها في فراغ، بل تبحث عن أسماء تستطيع المنافسة في دوائر محددة، وتتوفر على حضور محلي وشبكة علاقات وقدرة على التواصل مع الناخبين. ولذلك فإن الكفاءة الأكاديمية وحدها قد لا تكون كافية، كما أن الحضور التنظيمي وحده لا يضمن الفوز.
المعادلة الأصعب أمام الأحزاب ستكون إذن في تحقيق التوازن بين الكفاءة والقدرة الانتخابية، وبين التمثيلية الحقيقية والانضباط التنظيمي، وبين تجديد النخب والحفاظ على التوازنات الداخلية. وأي اختلال في هذه المعادلة قد يحول التزكيات إلى مصدر توتر داخل الأحزاب بدل أن تكون فرصة لتجديد صورتها.
وفي نهاية المطاف، فإن الميركاتو الانتخابي النسائي الذي بدأ يحتد داخل الأحزاب المغربية لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد النساء اللواتي سيظهرن في اللوائح، بل بما إذا كانت هذه الأسماء ستمنح فعلاً فرصة متكافئة للتنافس والوصول إلى مواقع القرار. فالرهان الحقيقي لانتخابات 2026 ليس فقط رفع نسبة الحضور النسائي، وإنما بناء تمثيلية سياسية أكثر استقلالية وكفاءة وارتباطاً بالمجتمع.
وإذا انتهت عملية التزكيات إلى اختيار الأسماء الأقرب إلى مراكز النفوذ بدل الأكثر قدرة على تمثيل الناخبين، فإن ارتفاع عدد المرشحات لن يكون سوى تغيير في الشكل، بينما ستظل آليات إنتاج النخب السياسية على حالها. أما إذا نجحت الأحزاب في تحويل هذه المرحلة إلى ورش حقيقي لتجديد النخب وإعطاء الكفاءة والاستحقاق وزناً أكبر من الحسابات الشخصية، فقد تشكل الانتخابات المقبلة نقطة تحول في مسار المشاركة السياسية للنساء بالمغرب.





