
صدمة أوروبية تلوح في الأفق.. قواعد المبيدات تهدد 60% من صادرات الطماطم المغربية
الرباط: إستثمار
تواجه صادرات الطماطم المغربية نحو السوق الأوروبية اختباراً صعباً قد يعيد رسم خريطة حضور المنتج المغربي داخل الاتحاد الأوروبي، بعدما كشفت دراسة لمركز البحوث المشتركة التابع للمفوضية الأوروبية عن تداعيات محتملة لتشديد القواعد المتعلقة بالحدود القصوى لبقايا أخطر المبيدات في المنتجات الزراعية المستوردة.
وتكتسي هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، الذي يعد من أبرز موردي الطماطم للسوق الأوروبية، إذ تشير المعطيات الواردة في تحليل مركز البحوث المشتركة إلى أن المملكة توفر أكثر من 70 في المائة من واردات الطماطم التي شملها التحليل التفصيلي، ما يجعلها في قلب أي تداعيات محتملة للقواعد الأوروبية الجديدة.
ولا تكمن خطورة الأمر في منع الطماطم المغربية بشكل مباشر، وإنما في احتمال ارتفاع كلفة الامتثال للمعايير الأوروبية الجديدة، وهو ما قد يفرض على المنتجين والمصدرين المغاربة إعادة النظر في طرق استعمال المبيدات، والبحث عن بدائل أكثر كلفة، وتغيير بعض الممارسات الزراعية بهدف الحفاظ على الولوج إلى السوق الأوروبية.
وتكشف الدراسة أن السيناريو المتوسط، وهو أحد السيناريوهات الاقتصادية التي اعتمدها الباحثون لقياس حجم التأثير المحتمل، قد يؤدي إلى تراجع صادرات الطماطم المغربية نحو الاتحاد الأوروبي بنحو 195 ألف طن، أي ما يقارب 60 في المائة، إذا اضطر جزء من المنتجين إلى تحمل تكاليف إضافية للتكيف مع القواعد الجديدة.
ورغم ضخامة هذا الرقم، فإن الدراسة لا تعتبره توقعاً مؤكداً لما سيحدث مستقبلاً، وإنما تقديراً ضمن سيناريو افتراضي يرمي إلى قياس انعكاسات تشديد القواعد الأوروبية على التجارة الزراعية، مع الأخذ بعين الاعتبار قدرة المنتجين على التكيف وسرعة الانتقال إلى ممارسات زراعية جديدة.
وتزداد حساسية الوضع المغربي بعدما رصد الباحثون بقايا ثمانية مواد فعالة مرتبطة بالمبيدات موضوع الدراسة في واردات الطماطم المغربية، في حين تشير المعطيات المتاحة إلى أن استخدام اثنتين فقط من هذه المواد مرخص به في المغرب.
غير أن هذه المعطيات لا تعني، وفق الدراسة، أن جميع الطماطم المغربية المستوردة إلى أوروبا تمت معالجتها بهذه المواد، إذ إن النتائج تستند إلى عمليات مراقبة للواردات، وتُستخدم لبناء نماذج وسيناريوهات حول حجم التجارة التي يمكن أن تتأثر في حال اعتماد القواعد الجديدة.
وتنطلق المفوضية الأوروبية في توجهها من مبدأ يزداد حضوراً في السياسة الزراعية الأوروبية، ومفاده أن المواد التي لم يعد مسموحاً للمزارعين الأوروبيين باستخدامها بسبب مخاطر صحية أو بيئية ينبغي ألا تعود إلى السوق الأوروبية عبر المنتجات المستوردة من دول خارج الاتحاد.
وهنا تبرز معادلة صعبة بالنسبة إلى المغرب: الحفاظ على موقعه القوي في السوق الأوروبية يتطلب استثمارات إضافية لتطوير طرق الإنتاج، والحد من الاعتماد على بعض المواد، واعتماد بدائل قد تكون أكثر تكلفة، في وقت تعتمد فيه تنافسية الطماطم المغربية بدرجة كبيرة على قدرتها على الجمع بين الجودة والسعر والاستمرارية في التوريد.
وفي السيناريو المتوسط، تتوقع الدراسة ارتفاع إنتاج الطماطم داخل الاتحاد الأوروبي بنحو 553 ألف طن، أي حوالي 3 في المائة، بالتوازي مع انخفاض صادرات الاتحاد الأوروبي من الطماطم بنحو 11 في المائة، فيما قد ترتفع الأسعار التي يدفعها المستهلك الأوروبي بنحو 3 في المائة.
وبذلك، فإن أي تراجع في تدفق الطماطم المغربية لن يختفي أثره داخل السوق الأوروبية، بل قد يدفع المنتجين الأوروبيين إلى زيادة الإنتاج والاستفادة من ارتفاع الطلب، وهو ما يمنح بعض المنتجين داخل الاتحاد فرصة لاستعادة حصص سوقية كانت تشغلها الواردات القادمة من دول مثل المغرب.
أما في السيناريو الأكثر تشدداً، فقد يرتفع إنتاج الطماطم داخل الاتحاد الأوروبي بنحو 1.54 مليون طن، أي بنسبة تصل إلى 8 في المائة، فيما قد ينخفض إجمالي صادرات الاتحاد الأوروبي من الطماطم بنحو 26 في المائة، نتيجة احتفاظ بعض المنتجين داخل أوروبا بكميات كانت موجهة في الأصل إلى الأسواق الخارجية.
وتشير الدراسة إلى أن الإنتاج الأوروبي يمكنه، في السيناريو المتطرف، تعويض ما يصل إلى 82 في المائة من الانخفاض في واردات الطماطم. غير أن هذا التعويض لن يكون مجانياً بالنسبة للمستهلك الأوروبي، إذ قد ترتفع أسعار الطماطم بنحو 8 في المائة في حال عدم قدرة المنتجين الخارجيين على التكيف مع القواعد الجديدة.
وبالنسبة للمغرب، تكشف السيناريوهات الثلاثة أن حجم التأثير لن يكون واحداً، بل سيتحدد أساساً بمدى سرعة وقدرة المنتجين على الاستجابة للمتطلبات الأوروبية.
ففي حال تمكن المنتجون من التكيف بتكاليف منخفضة، قد يكون الانخفاض محدوداً في حدود 2.2 في المائة، بينما يمكن أن يصل التراجع إلى 60 في المائة في السيناريو المتوسط، وقد يصل الأمر في السيناريو المتطرف إلى إلغاء ما يقارب 325 ألف طن من الواردات المغربية التي شملها التحليل.
لكن المعطى الأهم هو أن الدراسة لا تتحدث عن انهيار الإنتاج المغربي أو اختفاء الطماطم المغربية، بل عن احتمال إعادة توجيه جزء من الإنتاج نحو أسواق أخرى في حال أصبحت كلفة الولوج إلى السوق الأوروبية مرتفعة أو تعذر استيفاء المعايير الجديدة.
وهذا يعني أن المعركة المقبلة لن تكون بالضرورة معركة إنتاج، وإنما معركة تنافسية وتنظيمية بالدرجة الأولى. فالمغرب يمتلك قطاعاً فلاحياً موجهاً بقوة نحو التصدير، وأي تغيير في قواعد الولوج إلى أهم أسواقه الخارجية يمكن أن يفرض عليه إعادة ترتيب أولوياته الإنتاجية والتجارية.
كما أن الرهان لا يرتبط بالطماطم وحدها، إذ إن تشديد القواعد الأوروبية بشأن بقايا المبيدات قد يشكل سابقة يمكن أن تمتد آثارها إلى منتجات زراعية أخرى، ما يجعل قدرة القطاع الفلاحي المغربي على الاستباق والتكيف مع التشريعات الأوروبية مسألة تتجاوز حدود محصول واحد.
وفي المقابل، قد يجد المغرب نفسه أمام فرصة لإعادة تسريع التحول نحو زراعة أكثر استدامة وأقل اعتماداً على المواد الكيميائية المثيرة للجدل، بما يسمح بالحفاظ على موقعه داخل السوق الأوروبية، بل وربما تعزيز صورته كمورد قادر على الاستجابة للمعايير البيئية والصحية الأكثر صرامة.
غير أن هذا التحول ستكون له كلفة، وقد تتحملها سلسلة الإنتاج بأكملها، من الفلاح إلى المصدر، مروراً بالمستثمرين ومهنيي التعبئة والنقل والتخزين.
وسيكون التحدي الأكبر هو منع ارتفاع كلفة الإنتاج إلى مستوى يفقد الطماطم المغربية جزءاً من ميزتها التنافسية أمام الإنتاج الأوروبي أو أمام موردين دوليين قادرين على التكيف بسرعة أكبر.
وفي النهاية، تضع الدراسة صادرات الطماطم المغربية أمام اختبار حقيقي: هل سيتمكن القطاع من تحويل التشدد الأوروبي المرتقب إلى فرصة لتحديث الإنتاج وتطوير البدائل، أم أن ارتفاع كلفة التكيف سيؤدي إلى فقدان جزء مهم من السوق الأوروبية؟
المؤكد أن المعركة بدأت تنتقل من حجم الإنتاج إلى شروط الولوج إلى الأسواق. والمغرب، الذي أصبح أحد أهم اللاعبين في تجارة الطماطم داخل أوروبا، سيكون من أكثر الدول المعنية بأي تغيير في قواعد اللعبة، فيما ستحدد سرعة التكيف وكلفة البدائل والسياسات الزراعية المعتمدة خلال المرحلة المقبلة ما إذا كانت الطماطم المغربية ستحافظ على مكانتها في رفوف الأسواق الأوروبية، أم ستجد نفسها مضطرة للبحث عن وجهات جديدة.





