إقتراب موعد الإستحقاقات التشريعية يعطل مصالح المواطنين؟

الرباط: المهدي الجرباوي

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة خلال شهر شتنبر المقبل، بدأت تداعيات السباق الانتخابي تظهر داخل عدد من الجماعات الترابية، بعدما كشفت تقارير مرفوعة من أقسام الشؤون الداخلية بعمالات وأقاليم بجهات الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة ومراكش-آسفي عن مؤشرات مقلقة بشأن تراجع انتظام سير بعض المرافق الجماعية وظهور مظاهر ارتباك إداري بدأت تنعكس بشكل مباشر على مصالح المواطنين.

وتشير معطيات متداولة إلى أن عدداً من رؤساء مجالس جماعية ونواب مفوضين لهم، ممن حصلوا على تزكيات حزبية لخوض الانتخابات التشريعية، باتوا يخصصون جزءاً مهماً من وقتهم للتحضير للاستحقاق الانتخابي، من خلال اللقاءات التنظيمية والتحركات الميدانية والتواصل مع المنتخبين والأعيان والناخبين، وهو ما يطرح سؤالاً أساسياً حول حدود التداخل بين المسؤولية الانتدابية والطموح السياسي، ومدى قدرة المنتخب على الحفاظ على التزاماته تجاه الجماعة التي يرأسها في الوقت نفسه الذي يخوض فيه سباقاً انتخابياً على مستوى وطني.

المشكلة لا تكمن في ممارسة المسؤولين لحقهم السياسي أو في خوضهم الانتخابات، وإنما في أن يتحول الاستحقاق الانتخابي إلى سبب لتعطيل مصالح المرتفقين أو إبطاء عمل الإدارة المحلية. فالمرفق العمومي لا يفترض أن يتوقف بتوقف المسؤول المنتخب أو أن يتأثر جدول أعماله بدرجة انشغاله بحملته الانتخابية.

وتفيد المعطيات المتوفرة بأن بعض الملفات الإدارية أصبحت تستغرق وقتاً أطول قبل عرضها على المسؤولين قصد التأشير أو اتخاذ القرار، بينما ارتفعت شكايات المواطنين بشأن تأخر ملفات مرتبطة برخص التعمير والشهادات الإدارية والصفقات والنفقات والتراخيص المختلفة. وفي حالات أخرى، اضطر مرتفقون إلى العودة أكثر من مرة إلى المصالح الجماعية من أجل استكمال إجراءات كان من المفترض أن تنجز في آجال أقصر.

والأخطر من ذلك أن الارتباك لا يبدو مرتبطاً فقط بغياب بعض الرؤساء، بل يمتد في بعض الحالات إلى محيطهم الإداري، إذ تشير التقارير إلى تزامن غياب منتخبين مع استفادة بعض الموظفين من إجازات أو رخص تغيب، ما قد يؤدي إلى خلق خصاص داخل مصالح حساسة، خصوصاً الاستقبال والتعمير والحالة المدنية والمصالح التقنية.

وهنا تبرز إشكالية أعمق تتجاوز الظرف الانتخابي نفسه: هل تمتلك بعض الجماعات الترابية ما يكفي من آليات الاستمرارية المؤسساتية حتى لا يبقى سير الإدارة المحلية رهيناً بحضور شخص واحد أو مجموعة محدودة من المسؤولين؟

فالجماعة الترابية ليست مكتباً انتخابياً، ورئيس المجلس ليس مرشحاً فقط، بل مسؤول عن تدبير مرفق عمومي يفترض أن يستمر في أداء وظائفه بشكل منتظم، بصرف النظر عن أجندته السياسية.

ومن ثم، فإن تحويل جزء من موارد ووقت الإدارة، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى خدمة المعركة الانتخابية سيكون أمراً بالغ الحساسية، خصوصاً إذا أدى إلى تأخير مصالح المواطنين أو تعطيل القرارات الإدارية.

كما أن استمرار هذه الوضعية خلال الأسابيع المقبلة قد يزيد الضغط على الجماعات، مع ارتفاع وتيرة التحركات الانتخابية ودخول المنافسة السياسية مراحلها الأكثر سخونة.

وفي هذه المرحلة تحديداً، يصبح تدخل سلطات الوصاية أكثر إلحاحاً، ليس بهدف التدخل في العملية السياسية، وإنما لضمان احترام قواعد استمرارية المرفق العمومي وعدم تحميل المواطن كلفة انشغالات انتخابية لا علاقة له بها.

وتبدو تقارير أقسام الشؤون الداخلية، في هذا السياق، بمثابة جرس إنذار مبكر أمام وزارة الداخلية، خصوصاً إذا استمرت مؤشرات تراجع الحضور الإداري وتراكم الملفات والشكايات.

فالمطلوب ليس فقط رصد الخلل بعد وقوعه، وإنما اتخاذ تدابير استباقية تضمن الحد الأدنى من الاستمرارية، وتحدد المسؤوليات بوضوح، وتمنع تحول بعض الجماعات إلى إدارات شبه مشلولة خلال فترة انتخابية حساسة.

الرهان الحقيقي، في النهاية، ليس فقط على إنجاح الانتخابات من الناحية التنظيمية، وإنما أيضاً على حماية صورة المؤسسات المحلية وثقة المواطنين فيها.

فالمواطن الذي ينتظر رخصة أو وثيقة إدارية أو قراراً يخص مصلحة شخصية أو استثماراً أو مشروعاً، لا ينبغي أن يجد نفسه مضطراً لدفع ثمن انشغال رئيس جماعته أو منتخبيه بحسابات انتخابية.

وبينما يستعد المرشحون لخوض معركة الأصوات، تبقى الجماعات مطالبة بخوض معركة أخرى أكثر هدوءاً لكنها أكثر أهمية: معركة الحفاظ على انتظام المرفق العمومي.

وإذا لم يتم الفصل بوضوح بين إدارة الشأن العام وإدارة الحملات الانتخابية، فقد تتحول الانتخابات من موعد لتجديد المؤسسات إلى مناسبة تكشف هشاشة جزء من التدبير المحلي، وتضع مصالح المواطنين في آخر قائمة الأولويات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى