
تصعيد طهران وتل أبيب يُربك أسواق المال والطاقة

الرباط: إستثمار
في مشهد يكشف هشاشة النظام المالي العالمي أمام أي تصعيد جيوسياسي، هوت مؤشرات الأسهم الأوروبية صباح الجمعة مع اتساع دائرة القلق من تفجر مواجهة عسكرية مفتوحة بين إسرائيل وإيران، عقب الضربات الجوية التي نفذتها تل أبيب ضد أهداف داخل العمق الإيراني. ورغم أن القصف كان موجّهًا عسكريًا، إلا أن ارتداداته ضربت أسواق المال والطاقة بعنف، مكشوفًا عن تفاعل فوري ودراماتيكي بين السياسة والسوق.
صدمة الأسواق: الخوف يتفوّق على الأرباح
انخفض مؤشر “ستوكس يوروب 600” بنسبة 1%، في تراجع يُعدّ الأكبر منذ أسابيع، وتكبدت المؤشرات القيادية الكبرى خسائر متفاوتة: الألماني “داكس” خسر 1.45%، والفرنسي “كاك” 1.3%، فيما تراجع البريطاني “فوتسي 100” بنسبة 0.65%. هذا النزيف الجماعي يعكس مزاجًا سوداويًا للمستثمرين الذين باتوا يدركون أن الشرق الأوسط لم يعد مجرد ملف خارجي، بل عامل مفصلي في حساباتهم اليومية.
الرابحون في زمن القلق: الدفاع والطاقة في صدارة السباق
لكن وسط هذا الانكماش، لمع نجم قطاعين تقليديًا ما يستفيدان من الأزمات: الدفاع والطاقة.
أسهم شركات السلاح ارتفعت بشكل لافت، مع قفزة سهم “بي إيه إي سيستمز” البريطانية بـ2.8%، وارتفاع سهم “راينميتال” الألمانية بـ1.7%، وهو ما يعكس رهانات المستثمرين على تصاعد الإنفاق العسكري الأوروبي في ظل مشهد عالمي ينحو نحو التسلّح لا التفاوض.
أما أسعار النفط، فقد تجاوزت ارتفاعًا بنسبة 10%، ما أعاد الحياة إلى أسهم شركات الطاقة الأوروبية، في ظل المخاوف من اضطراب إمدادات النفط القادمة من الخليج ومضيق هرمز، شريان التجارة الحيوي.
تسليع التوتر: حين تصبح الحرب فرصة استثمارية
هذا التفاعل المتناقض داخل الأسواق الأوروبية يفضح تناقضًا أخلاقيًا صارخًا: في الوقت الذي تدق فيه طبول الحرب، وتتصاعد المخاطر الأمنية، تصبح أسهم شركات الدفاع والطاقة ملاذًا آمنًا وربما مربحًا.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: إلى أي مدى تحولت الأسواق إلى “متلقٍ صامت” لأخبار التصعيد؟ بل هل باتت تمتص الحروب لا كتهديد، بل كفرصة لتصحيح موازين الربح والخسارة؟
الشرق الأوسط كقلب هش للمنظومة المالية
الضربات الإسرائيلية ليست مجرد حدث عسكري، بل اختبار حقيقي لحساسية الاقتصاد العالمي أمام أي اختلال في الشرق الأوسط. المنطقة، التي تمر منها خطوط نفط وغاز حيوية نحو أوروبا وآسيا، أصبحت من جديد مركز الثقل في لعبة التوازنات الاقتصادية.
القلق اليوم لا يقتصر على الإمدادات الطاقية فحسب، بل على إمكانية امتداد الصراع إلى مسارات بحرية حيوية أو إلى شبكات التوريد العالمية التي لم تتعافَ بعد من آثار جائحة كورونا ولا من تبعات الحرب في أوكرانيا.
هشاشة النمو أمام عنف الجغرافيا السياسية
في ضوء هذه التطورات، يبدو أن الرهانات الاقتصادية لم تعد قادرة على الصمود في وجه الاضطرابات السياسية المتسارعة. ما يحدث في الشرق الأوسط لم يعد محصورًا بجغرافيا النار، بل صار يحرق خطوط المؤشرات والأسواق في أوروبا وآسيا والولايات المتحدة.
الأسواق لم تعد مستقلة عن حسابات الجيوش والطائرات المسيّرة. في زمن “الضربات الاستباقية”، قد تصبح الأسهم أولى ضحايا المواجهات – وأحيانًا أولى المستفيدين أيضًا، في مفارقة تحبس أنفاس العالم.





