
مضيق هرمز يشتعل… حرب واشنطن وطهران تربك الاقتصاد العالمي وتثقل فاتورة الطاقة في المغرب
الرباط: الخبير الإقتصادي المهدي الجرباوي
في ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بعد الاغتيال الممنهج لقائد فيلق القدس قاسم سليماني في مطلع 2020، ومع تجدد الصراعات العسكرية والسياسية بين الطرفين، برزت على الساحة الدولية أزمة حادة في العلاقات بين واشنطن وطهران، اتخذت أبعاداً تتجاوز الحدود الجغرافية للمنطقة، لتؤثر في الاقتصاد العالمي بشكل مباشر وغير مباشر. وفي صلب هذه الأزمة، جاء إغلاق مضيق هرمز – أحد أهم الممرات النفطية في العالم – لينذر بتداعيات اقتصادية عالمية جمة، ويدفع بدول بعيدة عن الصراع، من بينها المغرب، إلى مواجهة آثار هذه التطورات على أسعار الطاقة والتوازنات الاقتصادية.
أولاً: خلفية الأزمة الإيرانية ـ الأمريكية
منذ الثورة الإيرانية عام 1979، تربط طهران وواشنطن علاقات متوترة، لكن التوتر بلغ ذروته في السنوات الأخيرة إثر انسحاب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب من الاتفاق النووي في 2018، وفرض حزمة من العقوبات الاقتصادية على النظام الإيراني. وقد ردت إيران على ذلك بتعزيز برنامجيها النووي والصاروخي، وتصعيد الهجمات على مصالح أمريكية في المنطقة، ما زاد احتمالات المواجهة العسكرية.
في هذا المناخ المتأزم، لعبت إيران على ورقة الهيمنة على مضيق هرمز، الممر البحري الذي يمر عبره نحو 30٪ من النفط الخام المنقول بحراً في العالم، إذ أعلنت طهران في عدة مناسبات أنها مستعدة لإغلاق المضيق رداً على العقوبات أو الضربات، مما أثار مخاوف الأسواق العالمية من شل حركة التجارة النفطية.
ثانياً: إغلاق مضيق هرمز وتداعياته على الاقتصاد العالمي
1. تأثير مباشر على أسعار النفط
يُعد مضيق هرمز شرياناً حيوياً للطاقة العالمية، فمعظم صادرات دول الخليج العربي، خصوصاً السعودية والإمارات والكويت، تعتمد على هذا الممر للوصول إلى الأسواق الدولية. وكل حديث عن إغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه، سواء عبر تهديدات إيران أو هجمات على ناقلات نفط، يُحدث ارتباكاً في أسواق الطاقة، ويؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط الخام بشكل فوري. وقد شوهد ذلك عدة مرات في السنوات الماضية، حين ارتفعت أسعار برنت إلى مستويات قياسية عند مجرد تصاعد التوترات.
2. اضطراب أسواق الطاقة البديلة
عندما يرتفع النفط، يتجه العالم نحو مصادر بديلة أو إلى زيادة الإنتاج من دول مستقرة. لكن هذه الاستجابة ليست فورية أو كافية. فالمخزون العالمي محدود، ولو ارتفعت أسعار النفط لفترات طويلة، فإن ذلك ينعكس على تكلفة النقل، وصناعة الطاقة، والمواد الأولية لقطاعات عديدة مثل البلاستيك والأسمدة.
3. تعميق المخاطر على الاقتصاد العالمي
الاقتصاد العالمي ما زال يتعافى من صدمات جائحة COVID-19، ومن الركود المؤقت الذي أصاب سلاسل الإمداد. وأي ارتفاع جديد في أسعار النفط والإمدادات يقلل من القدرة الشرائية للمستهلكين، ويرفع تكاليف الإنتاج الصناعي، ما يؤدي إلى تضخم أسعار السلع والخدمات ويقلص النمو الاقتصادي في دول متقدمة ونامية على حد سواء.
ثالثاً: انعكاسات الأزمة على المغرب
رغم أن المغرب ليس منتجاً رئيسياً للطاقة، إلا أن اقتصاده لا يمكنه أن يكون بمنأى عن صدمات أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية، خاصة مع اعتماده الكبير على واردات الطاقة.
1. ارتفاع الكلفة الطاقية
يعتمد المغرب بشكل واسع على النفط والغاز الطبيعي المستوردين لتوليد الطاقة وتسيير النقل والمنتجات الصناعية. وعندما ترتفع أسعار النفط عالمياً نتيجة التوترات في مضيق هرمز، فإن فاتورة استيراد الطاقة ترتفع بشكل حاد، مما يؤدي إلى:
زيادة تكلفة المحروقات للمواطنين (البنزين، الديزل…).
ارتفاع تكلفة الكهرباء التي يعتمد جزء كبير منها على الوقود المستورد.
زيادة المداخيل اللازمة لدعم أسعار الطاقة إذا اختارت الدولة إبقاء الأسعار المحلية ثابتة.
كل ما سبق يُضعِف القدرة الشرائية للمواطنين ويضغط على الميزانية العامة للدولة.
2. تأثيرات غير مباشرة على التضخم
ارتفاع كلفة الطاقة له تأثيرات متسلسلة: فهو يرفع من تكلفة النقل، وتكلفة الإنتاج الزراعي والصناعي، وتكلفة السلع الاستهلاكية. ومع استمرار الأزمة، قد ينعكس هذا في ارتفاع معدلات التضخم المحلي وهو ما يؤثر مباشرة على مستوى المعيشة في المغرب.
3. تأثيرات على العلاقات التجارية والاستثمارية
الوضع الأمني غير المستقر في منطقة الشرق الأوسط قد يجعل المستثمرين أكثر حذراً في ضوء المخاطر الجغرافية السياسية. ومع ارتفاع تكلفة الطاقة، قد يتأثر تكلفة مشاريع البنية التحتية والاستثمار الصناعي في المغرب، مما قد يبطئ من وتيرة النمو الاقتصادي.
رابعاً: قراءة نقدية في السياسات المتبعة
أ. تقلب في السياسات الأمريكية من جهة
هناك جدل كبير حول ما إذا كانت السياسات الأمريكية تصب في تعزيز الأمن العالمي أم أنها تزيد من المخاطر. فالتصعيد العسكري المستمر ضد إيران يعزز من احتمالات المواجهة، ويزيد من عدم الاستقرار على المدى القصير، بينما قد لا يؤدي إلى حل جذري للتوترات، بل ربما يعمّق من مشاعر العداء.
ب. عدم تنويع كافٍ في مصادر الطاقة لدى الدول المستوردة
تعتمد العديد من الدول، من بينها المغرب، على واردات الطاقة التقليدية. ومع تزايد التوترات الجيوسياسية، تتضح الحاجة الملحة إلى تعزيز مصادر الطاقة المتجددة وتقليل الاعتماد على النفط والغاز المستوردين، كخيار استراتيجي طويل الأمد.
ج. ضعف آليات الحماية الاقتصادية
التقلبات في أسعار الطاقة تظهر ضعفاً في الآليات الوقائية والسياسات الاقتصادية المرنة لدى العديد من الدول، بحيث لا يمكنها الاستجابة بسرعة للتغيرات المفاجئة في الأسواق العالمية. هذا يدعو إلى إعادة النظر في استراتيجيات التخطيط الاقتصادي على مستوى السياسات الوطنية.
خاتمة: دروس مستفادة ومسارات مستقبلية الأزمة الأمريكية ـ الإيرانية، وتصاعد خطر إغلاق مضيق هرمز، لم تكن مجرد صراع إقليمي محدود، بل أصبحت عامل ضغط على الاقتصاد العالمي في لحظة حرجة من تاريخه. ومع تزايد تأثيرات هذه الأزمة، يتضح أن:
تأمين مصادر الطاقة وتنويعها بات ضرورة استراتيجية لكل الاقتصادات، خاصة المستوردة.
الاعتماد على الطاقة المتجددة يمثل خياراً ليس بيئياً فحسب، بل اقتصادياً لتقليل مخاطر الصدمات الخارجية.
السياسات الجيوسياسية يُمكن أن يكون لها تأثيرات اقتصادية أعمق وأوسع من مجرد حدودها العسكرية.
في نهاية المطاف، تبقى الاقتصاديات الوطنية متشابكة بصورة وثيقة مع النظام الاقتصادي العالمي، وأي توتر في ممرات النفط أو العلاقات الدولية الكبرى يعكس نفسه في الأسعار، وفي قدرة الدول على حماية رفاه مواطنيها. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تفكير استراتيجي بعيد المدى يستشرف المخاطر الجيوسياسية ويضع سياسات اقتصادية مرنة ومستدامة.





