“274 مليار درهم تُهدر في الإعفاءات: هل تحوّل شعار العدالة الجبائية في عهد أخنوش إلى غطاء للامتيازات؟”

الرباط: إستثمار

يضع مشروع قانون المالية لسنة 2026 حكومة عزيز أخنوش أمام مرآة حقيقية لا ترحم، تكشف تناقضاً صارخاً بين الخطاب الإصلاحي والواقع المالي، حيث تؤكد الأرقام استمرار تضخم النفقات الجبائية إلى مستويات غير مسبوقة، رغم الوعود المتكررة بـ“إصلاح شامل للنظام الضريبي”.

فوفقاً لتقرير وزارة الاقتصاد والمالية، بلغت كلفة الإعفاءات والتحفيزات الضريبية 274 مليار درهم سنة 2025، مقابل 268 ملياراً في السنة التي سبقتها، أي بارتفاع نسبته 1.7%. هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن فشل في ضبط الامتيازات غير المنتجة، بل تكشف كذلك عن استمرار نموذج جبائي يقوم على المحاباة القطاعية أكثر مما يقوم على العدالة والمردودية.

تُظهر المعطيات أن الضريبة على القيمة المضافة تمثل الحصة الأكبر من هذه النفقات، بأكثر من 60 مليار درهم، تليها الضريبة على الدخل ثم على الشركات. والمفارقة أن أغلب المستفيدين من هذه الإعفاءات ينتمون إلى قطاعات كبرى — الصناعة، العقار، الفلاحة، الطاقة — وهي قطاعات راكمت أرباحاً مهمة على مدى سنوات دون أن تنعكس بشكل ملموس على التشغيل أو التنمية المحلية.

ويعترف التقرير نفسه بأن تقييم مردودية هذه التحفيزات يظل محدوداً وغير منتظماً، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول جدوى الإبقاء على امتيازات تُستنزف من خلالها موارد الدولة دون أثر اقتصادي يقابلها.

أما على المستوى الاجتماعي، فإن الأسر المغربية لا تحظى سوى بنصف هذه النفقات تقريباً، في شكل إعفاءات متعلقة بالدخل، أو فوائد القروض السكنية، أو المصاريف التعليمية. في حين تستحوذ المقاولات على ما يقارب 45% من الكلفة الإجمالية، عبر تخفيضات مرتبطة بالاستثمار والأرباح. وهنا تتبدى ملامح اختلال صارخ في العدالة الجبائية، حيث يستفيد الأقوياء أكثر من الضعفاء، وتتكرّس الهوة بين الفئات الاجتماعية.

ورغم أن الحكومة رفعت شعارات من قبيل “توسيع القاعدة الضريبية” و“تحقيق العدالة الجبائية”، إلا أن الأرقام تشير إلى عكس ذلك: نظام ضريبي غير متوازن، يكرّس التفاوتات بدل تقليصها، ويحوّل الامتيازات الضريبية إلى نوع من “الدعم غير المعلن” للفئات الميسورة والشركات الكبرى.

ويرى خبراء الاقتصاد أن هذه السياسة “المتسامحة” مع الإعفاءات تفرغ الإصلاح من مضمونه، وتُضعف قدرة الدولة على تمويل القطاعات الحيوية كالتعليم والصحة والاستثمار العمومي. فالـ274 مليار درهم التي تذهب في شكل إعفاءات، تعادل تقريباً ربع الناتج الداخلي الخام، وهو رقم كفيل بإحداث ثورة اجتماعية لو تم توجيهه نحو الخدمات العمومية والمشاريع المنتجة.

كما يقر التقرير الرسمي بوجود ثغرات منهجية وتقنية في رصد النفقات الجبائية، إذ ما زال الحصر يعتمد على بيانات غير مكتملة ويصعب من خلالها قياس الأثر الاقتصادي الحقيقي لهذه الامتيازات. وعلى الرغم من إعلان وزارة المالية نيتها وضع إطار مؤسساتي لتقييم دوري لهذه النفقات، إلا أن التجارب السابقة تجعل هذه الوعود عرضة للتشكيك، خصوصاً في ظل غياب الإرادة السياسية الحقيقية لمراجعة منظومة الامتيازات.

في نهاية المطاف، يقدم مشروع قانون المالية لسنة 2026 صورة دقيقة عن مفارقة سياسية واقتصادية: حكومة تُكثر من الخطاب الإصلاحي لكنها تواصل العمل بالأدوات القديمة ذاتها، محكومة بعلاقات مصالح وموازنات انتخابية أكثر مما يحكمها منطق الإصلاح البنيوي.

وبذلك، يبدو أن شعار “العدالة الجبائية” لم يتحول بعد إلى سياسةٍ واقعية، بل ظل عالقاً في حدود الشعارات، بينما يستمر نزيف الإعفاءات في استنزاف ميزانية الدولة، على حساب المواطن العادي الذي يدفع الثمن مرتين: مرة من جيبه، ومرة من تراجع الخدمات العمومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى