المغرب الرقمي بين طموح الدولة وعطالة السوق: كيف تحوّل خصاص الكفاءات إلى مفارقة قاتلة؟

الرباط: إدريس بنمسعود

بين خطاب رسمي يَعِد بمغرب رقمي متقدم، واستراتيجيات عمومية ترفع سقف الطموح التكنولوجي، يطفو على السطح واقع مغاير يكشف عن اختلال بنيوي عميق في سوق الشغل. فبينما تؤكد المقاولات، خاصة في القطاعات الرقمية والتكنولوجية، معاناتها من خصاص حاد في الكفاءات، يقف آلاف الخريجين المغاربة في الجهة المقابلة عاجزين حتى عن ولوج مرحلة التدريب، في مفارقة تطرح سؤالاً جوهرياً: أين ينكسر منطق العرض والطلب؟

في المقارنة بين الرؤية المعلنة والممارسة اليومية، يتضح أن الأزمة لا تختزل في ضعف التكوين أو محدودية المهارات، بقدر ما تعكس قطيعة استراتيجية بين عالم التكوين الأكاديمي ومنطق المقاولة. فالشباب الوافد على سوق الشغل يمتلك، في الغالب، قاعدة معرفية نظرية معقولة، لكنه يصطدم بمؤسسات ترفض الاضطلاع بدور “الحاضنة”، وتفضل استهلاك كفاءات جاهزة بدل الاستثمار في بنائها.

ويبرز هذا الخلل بوضوح في شرط “الخبرة المسبقة” الذي تحول من معيار مهني إلى حاجز إقصائي، حيث تُطالب الشركات بخبرة تمتد لسنتين أو أكثر حتى في الوظائف المصنفة كمناصب للمبتدئين. وهنا تتجسد المفارقة المقارنة بين سوق ناضجة يفترض أن تدمج الخريج تدريجياً، وسوق مغلقة تحبس الشباب في حلقة مفرغة: لا عمل دون خبرة، ولا خبرة دون عمل.

في المقابل، تتجه بعض المقاولات إلى تضييق دائرة الانتقاء عبر التركيز المفرط على ما يسمى بـ”المهارات الناعمة”، في غياب آليات شفافة لتقييمها أو تطويرها. هذا المنحى، الذي يبدو في ظاهره مهنياً، يتحول عملياً إلى أداة إقصاء تُعمّق الفجوة بين فئة محدودة محظوظة تملك رأس المال الاجتماعي، وأغلبية كفاءات تقنية تجد نفسها خارج اللعبة. وضمن هذا السياق، تستعيد الزبونية وشبكات العلاقات دورها كقنوات غير رسمية للولوج، على حساب الاستحقاق والكفاءة.

وتزداد الأزمة تعقيداً مع دخول الذكاء الاصطناعي على خط التوظيف، حيث أصبحت الخوارزميات حكماً أولياً في فرز السير الذاتية. فبين من يرى في هذه الأدوات وسيلة للنجاعة وتقليص الكلفة، يحذر آخرون من تحولها إلى آلية إقصاء صامتة، تستبعد مواهب واعدة لمجرد عدم مطابقة كلمات مفتاحية أو مسارات غير نمطية، في مقارنة صارخة بين تقييم آلي بارد وحكم بشري قادر على استشراف الإمكانات لا فقط قياس التجربة الماضية.

أمام هذا المشهد، يبدو أن الرهان الحقيقي لا يكمن في مضاعفة الشعارات حول الرقمنة، بل في إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمقاولة والشباب. فنجاح “المغرب الرقمي” يمر حتماً عبر عقد مهني جديد، يُلزم المقاولات بالانتقال من موقع المستهلك للخبرات إلى صانعها، عبر فتح مسارات تدريب حقيقية، وتأطير الخريجين، ومنحهم حق التجربة والخطأ.

إن المقارنة بين نموذج رقمي بلا إدماج بشري، ونموذج تنموي يستثمر في الرأسمال البشري، تحسم لصالح الخيار الثاني. فبدون أنسنة التوظيف ورد الاعتبار للتدريب كرافعة للاندماج، سيظل التحول الرقمي بالمغرب مشروعاً تقنياً بلا روح، وستبقى الكفاءات الشابة طاقات معطلة في اقتصاد يتطلع إلى التغيير لكنه لم يحسم بعد شروطه الواقعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى