من تعزيز المداخيل إلى إصلاح الأعطاب: هل تنجح جماعة الهرهورة في تجاوز هشاشة الماضي؟

 

الرباط: إدريس بنمسعود

عرفت جماعة الهرهورة خلال الولاية الانتدابية الحالية تحولاً لافتاً على مستوى مواردها المالية الذاتية، إذ انتقلت من مداخيل محدودة لم تكن تتجاوز 3 مليارات سنتيم في ولايات سابقة، إلى حوالي 9 مليارات سنتيم في عهد المجلس الحالي الذي يترأسه محمد الخريف عن حزب الاستقلال، في ما اعتُبر قفزة نوعية على مستوى تعبئة الموارد وتعزيز المداخيل.

هذا الارتفاع، الذي كان من المفترض أن يشكل رافعة حقيقية لتحسين جودة العيش والبنيات التحتية، يطرح اليوم أكثر من علامة استفهام، خاصة عند مقارنته بالواقع الميداني الذي تعيشه الجماعة، كما عكسه النقاش الصريح خلال الدورة العادية لشهر فبراير 2026.

منطقياً، فإن الانتقال من 3 إلى 9 مليارات سنتيم لا يُعد مجرد تحسن محاسباتي، بل مسؤولية سياسية وتدبيرية مضاعفة، تفرض على المجلس الجماعي ترجمة هذه الوفرة المالية إلى مشاريع ملموسة، خصوصاً في القطاعات الحيوية كالبنية الطرقية والإنارة العمومية، التي تُعد من أبسط مؤشرات التنمية المحلية.

غير أن النقطة الثالثة المدرجة في جدول أعمال الدورة، والمتعلقة بـ وضعية الطرق والإنارة العمومية بتراب الجماعة، كشفت عن فجوة واضحة بين تحسن الموارد وتدهور الخدمات.

أجمع أغلب، إن لم نقل كل، المتدخلين من أعضاء المجلس على أن وضعية الطرق داخل مختلف أحياء جماعة الهرهورة كارثية وهشة، وتتطلب تدخلاً استعجالياً، خاصة في الأحياء التي تعرف أشغالاً متكررة دون إعادة الوضع إلى ما كان عليه من قبل شركة ريضال.

وفي هذا السياق، طالب المجلس بضرورة إلزام شركة ريضال بإرجاع حالة الطرق إلى وضعها الأصلي بعد انتهاء الأشغال، مع انتظار توصل الجماعة بدراسة تقنية مشتركة من ريضال واتصالات المغرب حول الأحياء المنتهية بها الأشغال، قصد إعداد لائحة نهائية للأحياء المستهدفة بالتدخل.

أما بخصوص الإنارة العمومية، فقد تم تسجيل اختلالات عميقة على مستوى التدبير والصيانة، خاصة داخل الأحياء القديمة، حيث لا تزال أعمدة كهربائية مهترئة، مثل تلك المتواجدة بحي سيدي العابد، تشكل خطراً حقيقياً على الساكنة.

 

تدبير محدود بموارد بشرية هزيلة
من بين الخلاصات الصادمة التي خرجت بها الدورة، الاعتراف الصريح بـ النقص الحاد في الموارد البشرية المؤهلة، إذ لا يتوفر مرفق الإنارة العمومية سوى على فريق واحد يشتغل ليلاً ونهاراً، في جماعة تعرف توسعاً عمرانياً وضغطاً متزايداً على الخدمات.

وهو ما دفع عدداً من الأعضاء إلى المطالبة بضرورة فتح باب التوظيف لفِرق تقنية متخصصة، وتعزيز المرفق بما لا يقل عن فريقين أو ثلاثة، بدل الاستمرار في حلول ترقيعية لم تعد تقنع أحداً.

اللافت في مداخلات الأعضاء، هو توحّدهم حول شعار غير معلن:
“كفى من الحلول الترقيعية”.
إذ لم تعد الإصلاحات الظرفية كافية، بل بات مطلوباً إعادة هيكلة شاملة لبنيات الإنارة العمومية، من تجهيزات وأعمدة وشبكات، بما ينسجم مع حجم الموارد المتاحة وطموحات الساكنة.

بين ارتفاع غير مسبوق في المداخيل وتردٍّ واضح في البنيات التحتية، تجد جماعة الهرهورة نفسها أمام اختبار حقيقي:
إما تحويل هذه الوفرة المالية إلى مشاريع مستدامة تعيد الثقة في التدبير المحلي، أو الاستمرار في منطق التدبير اليومي الذي يبدد الأرقام الكبيرة في واقع صغير، لا يرقى إلى انتظارات ساكنة تنتظر الكثير من مجلس يملك اليوم أكثر مما كان يملك بالأمس.

ورغم حدة التشخيص الذي طبع النقاشات والتداولات خلال هذه النقاط البالغة الأهمية، فإن ما يطفو إلى السطح ليس فقط حجم الاختلالات المتراكمة، بل أيضاً إرادة سياسية واضحة لدى رئيس جماعة الهرهورة وأعضاء المجلس الجماعي لتدارك أعطاب البنيات التحتية الطرقية ومرفق الإنارة العمومية في الأفق القريب.

إرادة عبّرت عن نفسها من خلال المطالبة بإجراءات عملية، من قبيل إلزام المتدخلين بإرجاع حالة الطرق إلى وضعها الأصلي، وإعادة هيكلة شاملة لمنظومة الإنارة العمومية، وتعزيز الموارد البشرية التقنية، بما يخرج الجماعة من منطق التدبير الترقيعي إلى أفق التخطيط المستدام.

وبين تشخيص قاسٍ وإرادة إصلاح معلنة، يبقى الرهان الحقيقي معلقاً على سرعة التفعيل ونجاعة التنفيذ، حتى تتحول الأرقام المالية الإيجابية إلى أثر ملموس يلامسه المواطن في فضائه اليومي، وتستعيد الجماعة ثقة ساكنتها في قدرة التدبير المحلي على تجاوز أعطاب الماضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى