
بين عجز سوق الشغل ورهان المبادرة الخاصة: هل تنقذ المقاولة الناشئة الاقتصاد المغربي؟
الرباط: إستثمار
في وقت يزداد فيه الضغط على سوق الشغل بالمغرب، عاد وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، ليضع المبادرة المقاولاتية في صلب النقاش الاقتصادي، باعتبارها إحدى أهم الرافعات القادرة على امتصاص البطالة ودفع التحول الاقتصادي المنشود. غير أن هذا الطرح، على وجاهته، يفتح الباب أمام مقارنة ضرورية بين قدرة الاقتصاد التقليدي على خلق فرص الشغل، وبين الرهان المتزايد على المقاولات الناشئة كبديل استراتيجي.
فحسب معطيات الوزير، لا يستطيع الاقتصاد الوطني، حتى في أفضل سنواته، توفير أكثر من 250 ألف منصب شغل سنويا، وهو رقم يظل متواضعا إذا ما قورن بتدفق أزيد من 180 ألف خريج من حاملي الشهادات العليا، وأكثر من 330 ألف شاب من خريجي التكوين المهني إلى سوق الشغل كل سنة. هذا الخلل البنيوي يعكس محدودية النموذج الاقتصادي القائم، ويبرز الحاجة إلى آليات جديدة لتوسيع قاعدة التشغيل.
في هذا السياق، تبرز المقاولة، خصوصا الناشئة منها، كخيار استراتيجي لمواجهة هذا العجز. فبينما تعتمد القطاعات التقليدية على الاستثمار العمومي أو الرساميل الكبرى ذات الوتيرة البطيئة في خلق الوظائف، تقوم ريادة الأعمال على منطق السرعة والابتكار والمرونة. غير أن هذا النموذج، رغم وعوده، لا يخلو من الهشاشة، خاصة في سنواته الأولى، حيث تواجه المقاولات الناشئة صعوبات التمويل والمواكبة والاستمرارية.
مقارنة بتجارب دولية، يظل المغرب متأخرا نسبيا في تحويل ريادة الأعمال إلى محرك فعلي للتشغيل واسع النطاق. ففي حين نجحت بعض الاقتصادات الصاعدة في خلق منظومات متكاملة تحتضن المقاول منذ الفكرة إلى التوسع، لا تزال المبادرات الوطنية تعاني من تشتت البرامج وضعف التنسيق، رغم توفر الكفاءات والطاقات البشرية التي أكد الوزير أنها قادرة على الابتكار والمنافسة عالميا.
من جهة أخرى، يبرز دور شبكات المواكبة، مثل “شبكة المقاولة المغرب”، كحلقة وصل أساسية بين الطموح المقاولاتي والواقع الاقتصادي. فهذه الشبكات، عبر القروض الشرفية والمواكبة التقنية والتوجيه، تسد جزئيا الفجوة التي تعجز السياسات العمومية وحدها عن ردمها. غير أن الأثر الحقيقي لهذه المبادرات يظل رهينا بتوسيع نطاقها وتحويلها من تجارب ناجحة محدودة إلى سياسة عمومية شاملة.
إن الدعوة إلى “تعبئة جماعية أقوى” التي أطلقها الوزير، تعكس إدراكا رسميا بأن الرهان على المقاولة لم يعد خيارا تكميليا، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية. غير أن نجاح هذا الرهان يقتضي مقارنة صريحة بين الخطاب والنتائج، وبين حجم التحديات وحجم الدعم المقدم فعليا للمقاولين الشباب.
وعليه، فإن مستقبل التشغيل في المغرب يبدو معلقا بين نموذج اقتصادي تقليدي محدود الأثر، وطموح مقاولاتي واعد لكنه هش. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الجوهري: هل ستتحول ريادة الأعمال من شعار جذاب إلى قاطرة حقيقية لخلق الثروة ومناصب الشغل، أم ستظل حلا جزئيا في مواجهة أزمة بنيوية.





