
زلزال العملات الرقمية: انهيار مفاجئ يبدّد أوهام “الملاذ الآمن” ويشعل ذعر المستثمرين
الرباط: إستثمار
شهدت أسواق العملات الرقمية، خلال الساعات الأولى من صباح الجمعة، هزة عنيفة أعادت إلى الواجهة هشاشة هذا القطاع شديد التقلب، بعدما قادت موجة بيع مكثفة إلى انهيارات متسارعة في الأسعار وتصفية مراكز تداول ضخمة في وقت وجيز، في مشهد يعكس تصاعد القلق والذعر داخل أوساط المستثمرين.
وتعرضت بيتكوين، العملة الرقمية الأكبر من حيث القيمة السوقية، لضغوط بيعية قوية دفعتها إلى التراجع نحو مستويات لم تشهدها منذ أكثر من عام، ما اعتبره مراقبون مؤشرًا واضحًا على عمق الأزمة التي تضرب السوق، وتراجع شهية المخاطرة لدى المتعاملين.
ولم يكن هذا التراجع معزولًا، بل جاء في إطار هبوط جماعي شمل معظم الأصول الرقمية الكبرى، الأمر الذي زاد من منسوب عدم اليقين بشأن آفاق السوق على المدى القريب، وطرح تساؤلات جدية حول قدرة العملات المشفرة على الصمود في فترات الاضطراب.
الإيثريوم، ثاني أكبر العملات الرقمية، لم تكن بمنأى عن العاصفة، إذ سجلت بدورها خسائر مزدوجة الرقم، في حين واصلت العملات البديلة الانزلاق بوتيرة أسرع، ما يعكس هشاشة بنيتها أمام موجات البيع المفاجئة. أما الريبل، فقد تصدرت قائمة الخاسرين بين العملات الرئيسية، مسجلة هبوطًا حادًا كشف محدودية الثقة في بعض الأصول الرقمية عند أول اختبار حقيقي للضغوط.
وعلى مستوى السوق الإجمالي، تقلصت القيمة السوقية للعملات المشفرة بشكل لافت، في دلالة على أن الخسائر لم تطل عملات بعينها، بل امتدت إلى مختلف فئات الأصول الرقمية، ما يعمق صورة الانهيار الشامل.
وأظهرت بيانات منصات تتبع المشتقات أن موجة البيع أدت إلى تصفية مراكز تداول بمئات الملايين من الدولارات خلال فترة قصيرة، مع تركّز الخسائر في المراكز الشرائية، وهو ما يعكس حجم الرهانات الصعودية التي انهارت فجأة تحت وطأة الانخفاض الحاد في الأسعار.
ويرى محللون أن الاستخدام المفرط للرافعة المالية لعب دورًا محوريًا في تضخيم الخسائر، إذ تسببت التحركات السريعة للأسعار في تفعيل متسلسل لأوامر وقف الخسارة ومكالمات الهامش، ما حول التراجع إلى حلقة مفرغة من الانهيارات المتلاحقة.
ويأتي هذا التطور في سياق يتزايد فيه الجدل حول الدور الحقيقي للعملات الرقمية داخل النظام المالي العالمي، لا سيما فيما يتعلق بقدرتها على أداء وظيفة التحوط ضد التضخم أو منافسة الأصول التقليدية الآمنة، مثل الذهب. فمرة أخرى، وفي خضم الاضطرابات الاقتصادية العالمية، فشلت العملات المشفرة في ترسيخ صورتها كـ“ملاذ آمن”، لتُصنَّف مجددًا ضمن الأصول عالية المخاطر، سريعة التأثر بتقلبات المزاج الاستثماري.
وتعكس هذه التطورات الأخيرة مدى هشاشة سوق العملات الرقمية أمام موجات الذعر الجماعي، وتسلط الضوء على المخاطر المرتفعة المرتبطة بالمضاربات المعتمدة على الرافعة المالية. ومع غياب محفزات إيجابية واضحة في الأفق القريب، تظل الأسواق الرقمية عرضة لمزيد من التقلبات الحادة، في انتظار إشارات قد تعيد بعض الثقة إلى قطاع لا يزال يعيش على إيقاع الصدمات.





