الرقمنة بين الوعود والواقع.. هل تحولت بوابات رخص الاستغلال والملك العمومي إلى عقبة جديدة أمام الاستثمار؟

الرباط: الدكتور المهدي الجرباوي

عندما أطلقت السلطات العمومية بالمغرب بوابات إلكترونية خاصة بتدبير طلبات رخص الاستغلال واحتلال الملك العمومي، كان الهدف المعلن واضحاً: تبسيط المساطر الإدارية، تقليص آجال معالجة الملفات، الحد من البيروقراطية، وتحسين مناخ الأعمال والاستثمار. غير أن التجربة الميدانية التي يعيشها عدد كبير من المرتفقين والمستثمرين تطرح اليوم أسئلة جوهرية حول مدى نجاح هذه المنظومة الرقمية في تحقيق الأهداف التي أنشئت من أجلها.

فعلى الورق، تبدو الرقمنة خطوة متقدمة نحو تحديث الإدارة المغربية وتعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. لكن الواقع العملي يكشف أن الانتقال من الإدارة التقليدية إلى الإدارة الرقمية لم يكن دائماً سلساً، بل أفرز في بعض الحالات أشكالاً جديدة من التعقيد الإداري قد تكون أكثر صعوبة من المساطر الورقية التي جاءت هذه البوابات لإلغائها.

ويؤكد العديد من المستثمرين وأصحاب المشاريع أن رحلة الحصول على رخصة الاستغلال أو ترخيص احتلال الملك العمومي أصبحت تمر عبر سلسلة طويلة من الإجراءات الإلكترونية التي قد تتجاوز أربع عشرة مرحلة مختلفة، وهو ما يجعل معالجة الملف تستغرق في كثير من الأحيان أكثر من شهرين، بل وقد تمتد إلى فترات أطول في بعض الحالات. وهي مدة تبدو متناقضة مع الخطاب الرسمي الذي يرفع شعار تسريع وتيرة الخدمات الإدارية وتحسين جودة الاستقبال وتسهيل الاستثمار.

وتبرز الإشكالية بشكل أكبر بالنسبة للمرتفقين الذين لا يتقنون التعامل مع المنصات الرقمية، حيث يجدون أنفسهم مضطرين إلى اللجوء إلى المكتبات العمومية أو مكاتب الخدمات الرقمية لإيداع ملفاتهم. وهنا تظهر حلقة جديدة من الوسطاء لم تكن موجودة بالصيغة نفسها في السابق، ما يفتح الباب أمام أخطاء تقنية أو إدارية قد تنتج عن سوء فهم طبيعة الوثائق المطلوبة أو كيفية إدخال المعطيات داخل المنصة الإلكترونية.

كما أن الرقمنة لم تنجح دائماً في تجاوز بعض مظاهر البطء الإداري التقليدي، إذ تظل العديد من الملفات رهينة التأشير والتوقيع الإلكتروني من طرف رؤساء الجماعات أو المصالح المختصة، وهو ما يؤدي إلى تراكم الطلبات وتأخير البت فيها رغم أن جميع الإجراءات تتم عبر شبكة الإنترنت. وبذلك يتحول التأخير من الرفوف الورقية إلى الواجهات الرقمية دون أن يلمس المرتفق فرقاً حقيقياً في آجال الإنجاز.

وفي الوقت الذي تتحدث فيه التقارير الرسمية عن تحسين مناخ الاستثمار وجذب المبادرات الاقتصادية، يواجه أصحاب المشاريع الناشئة واقعاً مالياً صعباً. فكل يوم تأخير في الحصول على الرخص يعني استمرار أداء واجبات كراء المحلات التجارية أو المهنية، وتسديد أقساط التجهيزات والقروض والالتزامات المالية المختلفة دون تحقيق أي مداخيل. وهو ما يضع العديد من المشاريع في وضعية هشاشة قبل انطلاقها الفعلي، ويجعل بعض المستثمرين الصغار يعيدون النظر في مشاريعهم أو يؤجلونها إلى أجل غير مسمى.

ولا يتعلق الأمر برفض الرقمنة أو التشكيك في أهميتها، بل بضرورة تقييم حصيلتها بموضوعية وجرأة. فالتحول الرقمي لا يقاس بعدد المنصات الإلكترونية التي تم إطلاقها، وإنما بمدى قدرتها على اختصار الزمن الإداري، وتقليص عدد المتدخلين، وتبسيط المساطر، وتقديم خدمة فعالة وسريعة للمواطن والمقاولة.

واليوم، وبعد سنوات من اعتماد هذه البوابات، يبدو أن الحاجة أصبحت ملحة لإجراء تقييم شامل لأدائها، والاستماع إلى ملاحظات المرتفقين والمستثمرين، ومعالجة الاختلالات التي تعيق فعاليتها. فالإدارة الرقمية الناجحة ليست مجرد نقل الإجراءات من الورق إلى الشاشة، بل هي إعادة هندسة حقيقية للمساطر بما يضمن السرعة والنجاعة والشفافية.

ويبقى السؤال مطروحاً بإلحاح: هل نجحت بوابات رخص الاستغلال والملك العمومي في القضاء على البيروقراطية الإدارية، أم أنها أنتجت شكلاً جديداً من البيروقراطية الرقمية أكثر تعقيداً وأقل استجابة لانتظارات المستثمرين؟ الجواب قد لا يوجد في الشعارات المعلنة، بل في التجارب اليومية لآلاف المرتفقين الذين ما زالوا ينتظرون أن تترجم الرقمنة وعودها إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى