فضائح المال العام تهز جماعات محلية: فواتير مزورة وصفقات على المقاس تضع رؤساء على أبواب القضاء!

الرباط: إدريس بنمسعود

عادت إلى الواجهة مجدداً ممارسات التسيير العشوائي والفساد المالي داخل عدد من الجماعات الترابية، وهذه المرة على ضوء تسريبات لتقارير تفتيش صادرة عن المجالس الجهوية للحسابات، والتي رصدت خروقات وصفها متابعون بـ”الخطيرة والممنهجة”، تورط فيها رؤساء جماعات حاليون وسابقون في جهتي الدار البيضاء-سطات وفاس-مكناس.

فواتير وهمية و”كعكة” الصفقات المشبوهة

التقارير المسربة كشفت عن تورط جماعات في تبديد المال العام عبر فواتير مزورة وصفقات وهمية، تم تفويتها بطريقة تفتقد لأدنى شروط الشفافية والتنافس. عمليات شراء تم تضخيم فواتيرها عمداً، وأخرى منحت لمزودين “مقربين” على سبيل المجاملة، ما يعكس اختلالاً بنيوياً في منظومة إبرام الصفقات.

وفي تحدٍّ صارخ لمبدأ المنافسة الحرة، تم تسجيل تكرار التعامل مع نفس المزودين، ما يثير شبهة وجود شبكات من العلاقات الزبونية. هذه الممارسات حرمت الخزينة العامة من فرص عقلنة الإنفاق وتحقيق التوازن بين جودة الخدمات والتكلفة، خاصة في اقتناء مستلزمات تخص المقالع، والإنارة، وألبسة الأعوان، وهدايا المجاملة.

غياب الشفافية… وتواطؤ إداري؟

ما يثير القلق أكثر هو ما وصفه قضاة المجالس الجهوية بـ”القصور المتعمد” في حفظ الوثائق الإدارية المتعلقة بالصفقات، ما يفتح الباب أمام شبهات التستر على فساد مالي قد يكون منظماً. بل إن بعض الجماعات لم تعيّن لجان فتح الأظرفة كما ينص عليه القانون، وأقصت متنافسين دون مبررات قانونية، أو دون حتى إشعارهم بذلك بشكل رسمي، في انتهاك صارخ لمقتضيات الشفافية.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تم تسجيل غياب ممثلي الخزينة العامة خلال جلسات فتح الأظرفة، في خرق مباشر للمادة 34 من مرسوم الصفقات العمومية، ما يزيد من هشاشة مراقبة المال العام على المستوى المحلي.

تحريك المتابعة القضائية… هل تسقط رؤوساً انتخابية؟

الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بصدد فتح تحقيقات موسعة في هذه الملفات، بعد إحالتها من قبل المجلس الأعلى للحسابات إلى وزارة العدل. ووفقاً للمصادر نفسها، فإن ملفات رؤساء جماعات متورطين ستأخذ طريقها قريباً نحو محاكم جرائم الأموال، وهو ما يفتح الباب أمام مساءلة جنائية قد تطال شخصيات سياسية بارزة.

ويُرتقب أن ترد دفعة جديدة من الملفات على مكتب وزير العدل فور انتهاء العطلة القضائية، بناءً على تقارير افتحاص دقيقة، تشمل تجاوزات مالية ومحاسباتية، وقرارات تأديبية على خلفية سوء التدبير أو خرق قانون المالية.

التبريرات الواهية… والعبث بالمال العمومي

المثير في ردود بعض المسؤولين الجماعيين على هذه الملاحظات، هو لجوؤهم إلى مبررات تتعلق بـ”تغير السياق الاقتصادي”، كذريعة لإلغاء سندات طلب أو التراجع عن تنفيذ صفقات. وعلى الرغم من أن هذا المبرر وارد في القانون، إلا أن التوظيف المتكرر له يطرح تساؤلات جدية حول النية الحقيقية من ورائه، خاصة إذا تزامن مع غياب وثائق داعمة أو مسوغات مالية واضحة.

في الخلاصة، تعكس هذه التقارير المسربة مرة أخرى هشاشة منظومة الحكامة المحلية وتبرز الحاجة إلى إصلاح جذري في آليات تدبير المال العام على مستوى الجماعات، وإلى مساءلة حقيقية لا تقف عند حدود تقارير المجالس، بل تمتد إلى المحاسبة القضائية والسياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى