قانون المحاماة بعد قرار المحكمة الدستورية: هل انتهت الرقابة أم بدأت معركة دستورية جديدة؟

استثمار: الرباط

الدكتور عبد العالي بلياس

أثار قرار المحكمة الدستورية رقم 277/26 م.د، الصادر في 10 غشت 2026 في الملف عدد 317/26، بشأن إحالة القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، اهتمامًا واسعًا بالنظر إلى أن المحكمة لم تنتقل إلى فحص مدى مطابقة مقتضيات القانون لأحكام الدستور، وإنما صرحت بتعذر البت في الإحالة لعدم استيفائها الشروط التي تمكنها من ممارسة رقابتها على النص المصادق عليه من طرف البرلمان. وبذلك، انتقل النقاش من مضمون قانون المحاماة ومدى دستوريته إلى سلامة المسطرة التي أحيل بها على المحكمة الدستورية.

وتكمن أهمية القرار، في هذا السياق، في ضرورة التمييز بين الحكم بمطابقة القانون للدستور وبين تعذر ممارسة الرقابة عليه. فالمحكمة لم تقل إن القانون رقم 66.23 مطابق للدستور، كما أنها لم تفحص المقتضيات التي أثارت الجدل ولم تقارنها بأحكام الوثيقة الدستورية، وإنما توقفت عند الشروط اللازمة لممارسة اختصاصها. ومن ثم، فإن عدم التصريح بعدم دستورية القانون لا يمكن اعتباره تزكية دستورية له، لأن المحكمة لم تصل أصلًا إلى مرحلة البت في الموضوع.

ويرتبط موقف المحكمة بموضوع الإحالة والوثائق التي أرفقت بها، ذلك أن الرقابة الدستورية تنصب على النص الذي صادق عليه البرلمان بصيغته النهائية، بما يمكن المحكمة من تحديد موضوع الرقابة ومقارنة مقتضياته بأحكام الدستور. ولذلك، فإن سلامة الإحالة لا تشكل مجرد مسألة شكلية، وإنما تعد شرطًا لتمكين القاضي الدستوري من ممارسة اختصاصه على النص الذي يعبر عن الإرادة التشريعية النهائية. فالرقابة الدستورية لا تبدأ فقط عند وصول الملف إلى المحكمة، وإنما تبدأ منذ تحديد موضوع الإحالة والتأكد من أن النص المحال هو بالفعل النص الذي صادق عليه البرلمان.

وتتخذ المسألة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة القانون رقم 66.23 باعتباره قانونًا عاديًا يخضع، من حيث الأصل، للرقابة الدستورية السابقة الاختيارية، خلافًا للقوانين التنظيمية التي تخضع للرقابة الإلزامية قبل إصدار الأمر بتنفيذها. ولذلك، فإن تعذر ممارسة الرقابة في الحالة الراهنة لا يؤدي، في حد ذاته، إلى النتيجة التي تترتب عن عدم احترام الرقابة الإلزامية المفروضة على القوانين التنظيمية. وإنما يطرح السؤال حول إمكانية تدارك أسباب التعذر وإعادة إحالة القانون وفق الشروط الدستورية والقانونية، وحول الجهة التي تملك هذه المبادرة ومدى استمرار شروط ممارسة حق الإحالة.

ومن الناحية المؤسساتية، يظل احتمال إعادة الإحالة قائمًا متى كان ذلك ممكنًا قانونًا واستوفت الإحالة شروطها، وهو ما قد يسمح للمحكمة بالانتقال لاحقًا إلى فحص مضمون القانون والحسم في مدى توافق مقتضياته مع الدستور. وفي المقابل، قد لا تتم إعادة الإحالة ويستمر القانون في مساره التشريعي، وصولًا إلى مرحلة الإصدار، بحسب ما تسمح به القواعد الدستورية والقانونية المنظمة لهذه المسطرة. غير أن استكمال القانون لمساره لا يمكن أن يفهم، بأي حال، باعتباره حكمًا ضمنيًا بمطابقته للدستور، لأن قرار التعذر لا يساوي قرار المطابقة، وإنما يعني أن المحكمة لم تتمكن من ممارسة رقابتها الموضوعية على النص.

ويكشف القرار، في جانب آخر، عن أهمية الالتزام الدقيق بالمساطر المرتبطة بالإحالة على القضاء الدستوري، خصوصًا بالنسبة إلى البرلمان والجهات المخولة دستوريًا بممارسة حق الإحالة. ففعالية الرقابة الدستورية لا تتوقف على وجود نص يثير إشكالات دستورية فحسب، وإنما تتطلب كذلك استيفاء الشروط التي تسمح للمحكمة بتحديد موضوع الرقابة وممارستها على أساس قانوني سليم. ومن هذه الزاوية، يشكل القرار رسالة مؤسساتية مفادها أن سلامة الإحالة ليست إجراءً ثانويًا، وإنما جزء من البناء الإجرائي للرقابة الدستورية وضمانة لممارستها على نحو صحيح.

وعليه، فإن قرار المحكمة الدستورية لم يضع حدًا للجدل الدستوري حول قانون المحاماة، وإنما أنهى إمكانية بسط الرقابة عليه في ظل الإحالة التي عرضت عليها بصيغتها الحالية. فإذا أمكن تدارك أسباب التعذر وإعادة الإحالة وفقًا للقانون، فقد تنتقل المحكمة إلى فحص مضمون القانون والحسم في مدى مطابقته للدستور. أما إذا استكمل النص مساره وأصبح قانونًا نافذًا، فقد ينتقل النقاش الدستوري، وفق الشروط والآليات التي يحددها الدستور والقانون، إلى صور أخرى من الرقابة على دستورية القوانين.

ومن ثم فإن السؤال الدستوري الذي أثاره قانون المحاماة لم يجد جوابه بعد فالمحكمة لم تقل إن القانون دستوري، كما أنها لم تقل إنه غير دستوري، وإنما تعذر عليها الوصول إلى مرحلة الحكم في دستوريته. وتكمن الدلالة الأبرز للقرار في أنه أعاد ترتيب النقاش حول القانون، من سؤال يتعلق بمضمون مقتضياته ومدى توافقها مع الدستور، إلى سؤال يتعلق بالشروط التي تمكن القضاء الدستوري من ممارسة رقابته عليها. وبذلك، لم تنته المعركة الدستورية حول قانون المحاماة بقدر ما تغير مسارها، وأصبح مستقبلها رهينًا بالخطوة المؤسساتية والقانونية التالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى