
الشوكي يطفئ حريق الطالبي العلمي.. هل يتحول الخلاف داخل الأحرار إلى أزمة سياسية مكتومة؟
الرباط: إستثمار
في الوقت الذي خلفت فيه التصريحات المنسوبة إلى راشد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية، يبدو أن قيادة الحزب اختارت نهج التهدئة بدل الدخول في مواجهة علنية قد تكشف حجم التوترات التي بدأت تطفو على السطح داخل التنظيم، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وكان الطالبي العلمي قد وجه، خلال اجتماع داخلي للمكتب السياسي، انتقادات حادة إلى ما اعتبره محاولات متكررة لاستمالة عدد من مرشحي ومنتخبي الحزب، في سياق بدا أنه يستهدف بشكل مباشر أو غير مباشر فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية وعضو حزب الأصالة والمعاصرة، والذي يثار اسمه بقوة في المشهد الانتخابي والسياسي المقبل.
ووصلت حدة الخطاب وفق التسجيل الصوتي المتداول، إلى استعمال تعبيرات ذات حمولة سياسية قوية، من بينها وصف لقجع بـ”المهدي المنتظر”، في إشارة تعكس حجم الحساسية التي باتت تحيط بعلاقات القوى والمرشحين داخل الخريطة السياسية المغربية.
لكن محمد شوكي رئيس التجمع الوطني للأحرار اختار في أول موقف له بعد انتشار التسجيل، أن يسلك طريقاً مختلفاً تماماً، محاولاً احتواء تداعيات التصريحات وعدم تحويلها إلى مواجهة مفتوحة داخل الحزب أو مع خصومه السياسيين.
وأعرب شوكي عن أسفه لتسريب جزء من نقاشات المكتب السياسي، مؤكداً أن الاجتماعات الحزبية تظل فضاءً خاصاً للتداول والنقاش الحر، وأن اقتطاع مقاطع من سياقها يمكن أن يؤدي إلى تقديم صورة غير مكتملة عن طبيعة النقاشات التي تجري داخل المؤسسات الحزبية.
هذا الموقف يطرح أكثر من علامة استفهام، لأن القضية لم تعد مرتبطة فقط بتسريب تسجيل من اجتماع داخلي، وإنما بما كشفه التسجيل عن طبيعة الصراع السياسي الذي يمكن أن يكون محتدماً خلف أبواب المؤسسات الحزبية. فحين تنتقل النقاشات من مجرد اختلاف في وجهات النظر إلى الحديث عن استمالة مرشحين ومنتخبين، وعن أسماء سياسية بعينها، فإن الأمر يتجاوز مسألة “حرمة الاجتماعات” إلى سؤال أكبر يتعلق بتوازنات القوة داخل الحزب وحدود المنافسة بين مكوناته وامتداداتها الانتخابية.
ويبدو أن شوكي يدرك أن تحويل هذه القضية إلى صراع علني لن يكون في مصلحة الحزب، خصوصاً في مرحلة تستعد فيها مختلف التنظيمات السياسية للانتخابات المقبلة، حيث تصبح وحدة الصف الداخلي ورمزية القيادة أكثر أهمية من أي وقت مضى. ولذلك ركز رئيس الحزب على فكرة أن المكتب السياسي فضاء للتعبير الحر، وأن تعدد الآراء واختلاف المواقف أمر طبيعي داخل المؤسسات الحزبية.
وقال شوكي إن “كل عضو من المكتب السياسي من حقه أن يعبر عن مواقفه بكل حرية”، قبل أن تنتهي النقاشات إلى بلورة موقف جماعي ورسمي يعكس القرار المؤسسي للحزب.
غير أن هذه الرسالة، رغم طابعها التهدوي، لا تجيب عن السؤال الأساسي الذي فرضه التسجيل على النقاش السياسي: هل يتعلق الأمر فعلاً بمجرد اختلاف طبيعي في وجهات النظر، أم أن ما ظهر للعلن يعكس بداية صراع أعمق حول النفوذ والمرشحين والامتداد الانتخابي؟
فالانتخابات لا تُدار فقط من خلال البلاغات الرسمية والمواقف الجماعية، وإنما أيضاً عبر شبكات النفوذ المحلي، والمنتخبين، والمرشحين، والقدرة على الحفاظ على الولاءات داخل الدوائر الانتخابية. ومن هذه الزاوية، فإن الحديث عن استمالة مرشحين ومنتخبين يحمل دلالة سياسية أكبر بكثير من مجرد خلاف عابر داخل اجتماع حزبي.
كما أن محاولة طي الملف تحت عنوان “النقاش الداخلي” قد تنجح في تهدئة السجال مؤقتاً، لكنها لن تلغي الأسئلة التي طرحها مضمون التسجيل، ولا سيما إذا كانت هناك بالفعل تحركات انتخابية مبكرة لإعادة ترتيب التحالفات والولاءات قبل الاستحقاقات المقبلة.
الأكثر دلالة أن رئيس الحزب لم يدخل في مواجهة مباشرة مع الطالبي العلمي، ولم ينفِ مضمون التسجيل أو يصف التصريحات المنسوبة إليه بأنها غير صحيحة، بل ركز أساساً على رفض تسريب النقاشات والتأكيد على حق أعضاء المكتب السياسي في التعبير. وهي مقاربة سياسية محسوبة، هدفها على ما يبدو منع الخلاف الداخلي من التحول إلى أزمة علنية قد يستفيد منها الخصوم.
لكن في المقابل، فإن التهدئة لا تعني بالضرورة انتهاء الخلاف. فقد يكون ما حدث مجرد مؤشر على مرحلة أكثر تعقيداً داخل الحزب، عنوانها إعادة ترتيب المواقع والحسابات استعداداً للانتخابات، خصوصاً أن أسماء سياسية وازنة بدأت تتحرك في أكثر من اتجاه، وأن التنافس على الدوائر الانتخابية والامتداد التنظيمي قد يكون أشد من التنافس بين الأحزاب نفسها.
وبذلك، قد يكون التسجيل المسرب قد كشف، من حيث لا يريد أصحابه، جزءاً من الكواليس التي عادة ما تبقى بعيدة عن الرأي العام. أما موقف شوكي، فيبدو أقرب إلى محاولة لإطفاء الحريق قبل أن يتحول إلى حريق سياسي يصعب احتواؤه، خصوصاً أن أي انقسام علني داخل الحزب، في هذه المرحلة بالذات، قد ينعكس على صورته الانتخابية وعلى قدرته على تدبير المرحلة المقبلة.





