
بورصة الدار البيضاء تحت الضغط.. هل انتهى زمن الصعود السهل وبدأ اختبار الأرباح الحقيقية؟
الرباط: إستثمار
دخلت بورصة الدار البيضاء مرحلة جديدة من إعادة ترتيب الأوراق، بعدما أعاد التصحيح الذي شهده شهر شتنبر حسابات المستثمرين، ونقل اهتمامهم من الرهان على استمرار موجة الارتفاع إلى البحث عن مؤشرات مالية أكثر صلابة تبرر مستويات تقييم الأسهم وتحدد قدرة السوق على استعادة زخمها.
وأغلق مؤشر “مازي” تداولات يوم الاثنين 29 شتنبر 2026 عند مستوى 17.754,91 نقطة، موسعا تراجعه منذ بداية السنة إلى حوالي 5,8 في المائة، بعدما أنهى النصف الأول عند 18.217 نقطة، بانخفاض بلغ 3,34 في المائة. ويأتي هذا الأداء بعد ثلاث سنوات متتالية من الانتعاش، بلغت ذروتها خلال 2025 عندما سجل المؤشر ارتفاعا قويا بنسبة 27,6 في المائة، قبل أن تبدأ السوق خلال السنة الجارية في مواجهة ضغوط مرتبطة بارتفاع التقييمات وعمليات جني الأرباح.
ورغم تمكن المؤشر من تقليص جزء من خسائره خلال فصل الصيف، حيث بلغ 18.811,95 نقطة في 8 شتنبر، فإن موجة البيع التي أعقبت ذلك أعادته إلى مستويات أدنى من نهاية يونيو، ما يعكس حاجة السوق إلى محفزات جديدة تتجاوز مجرد تحسن المزاج الاستثماري.
وتتجه الأنظار حاليا إلى النتائج المالية النصفية للشركات المدرجة، باعتبارها الاختبار الحقيقي لقدرة الأسهم على استعادة الثقة.
فقد كشفت المعطيات الأولية عن ارتفاع إيرادات 69 شركة تمثل حوالي 99 في المائة من الرسملة البورصية بنسبة 10,7 في المائة لتصل إلى 190,8 مليار درهم، غير أن استبعاد الشركات المنجمية يخفض هذا النمو إلى 5,6 في المائة، وهو ما يكشف أن جزءا مهما من الأداء الإيجابي ارتبط بظروف استثنائية استفادت منها شركات القطاع المعدني بفضل ارتفاع أسعار المعادن.
ولم يعد ارتفاع رقم المعاملات وحده كافيا لإقناع المستثمرين، بعدما انتقلت السوق إلى مرحلة جديدة أصبح فيها التركيز منصبا على الأرباح الصافية، وتطور الهوامش، ومستويات المديونية، وقدرة الشركات على خلق تدفقات نقدية مستدامة. فبعد موجة صعود رفعت عددا من الأسهم إلى مستويات تقييم مرتفعة، أصبح المستثمرون أكثر تشددا في تقييم جودة النمو ومدى استمراريته.
وقال عماد آيت مالك، محلل أسواق مالية لدى بنك أعمال بالدار البيضاء، إن السوق انتقلت من مرحلة كانت فيها وفرة السيولة عاملا كافيا لدعم عدد كبير من الأسهم، إلى مرحلة أصبحت فيها الأرباح المحرك الأساسي لإعادة التسعير. وأوضح أن المستثمرين باتوا يركزون بشكل أكبر على الهوامش والتدفقات النقدية ومستوى المديونية، وليس فقط على نمو المبيعات.
وأضاف أن الفارق بين نمو الإيرادات الإجمالي والنمو المسجل خارج القطاع المنجمي يشكل مؤشرا مهما على ضرورة تحليل أداء كل قطاع بشكل مستقل، موضحا أن ارتفاع أسعار المعادن منح دعما استثنائيا لبعض القيم، في حين تواجه قطاعات أخرى تحدي الحفاظ على هوامشها في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة والمدخلات.
وفي قلب هذا التحول، يجد القطاع البنكي نفسه تحت مراقبة خاصة، بالنظر إلى وزنه الكبير داخل الرسملة السوقية. فاهتمام المستثمرين لم يعد يقتصر على نمو الأرباح أو الناتج البنكي الصافي، بل يشمل أيضا تطور القروض، وجودة الأصول، وكلفة المخاطر، وهي عوامل يمكن أن تؤثر بشكل مباشر على أداء المؤشرات الرئيسية.
ويظهر هذا التوجه الانتقائي من خلال أداء المؤشرات؛ إذ سجل “مازي 20” تراجعا منذ بداية السنة بلغ 13,93 في المائة إلى غاية 28 شتنبر، مقابل انخفاض “مازي ميد” بنسبة 6,69 في المائة، في حين حافظ مؤشر “مازي ESG” على أداء إيجابي في حدود 4,34 في المائة، ما يعكس تفاوتا واضحا بين مختلف فئات الأسهم ومدى تعرضها لموجة التصحيح.
كما فقدت السوق جزءا من قيمتها الإجمالية خلال فترة وجيزة، بعدما تراجعت الرسملة من حوالي 1.108 مليار درهم في 9 شتنبر إلى نحو 1.044 مليار درهم في 29 من الشهر نفسه، أي بانخفاض يفوق 60 مليار درهم خلال ثلاثة أسابيع، في مؤشر على سرعة إعادة تقييم بعض الأسهم.
في المقابل، ما زالت البيئة الاقتصادية توفر عوامل دعم مهمة، خصوصا مع توقعات استمرار نمو الاقتصاد الوطني خلال 2026 بفضل تحسن النشاط الفلاحي ودينامية القطاعات غير الفلاحية والطلب الداخلي. غير أن استفادة الشركات المدرجة من هذا النمو ستبقى مرتبطة بقدرتها على تحويل ارتفاع النشاط إلى أرباح فعلية، خاصة في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بالطاقة وبعض المواد المستوردة.
ويشكل الاستثمار العمومي أحد أبرز الرهانات التي يعول عليها المستثمرون، خصوصا بالنسبة للشركات المرتبطة بالبنيات التحتية. فالغلاف الإجمالي للاستثمار العمومي المبرمج خلال 2026 يصل إلى 380 مليار درهم، في سياق تسارع أوراش كبرى تشمل الماء والطرق والسكك الحديدية والمطارات والموانئ والتجهيزات الرياضية.
وانعكست هذه الدينامية على دفاتر طلبيات شركات البناء والأشغال العمومية المدرجة، حيث بلغت الأعمال المتبقية للتنفيذ حوالي 34,8 مليار درهم لدى “SGTM”، و28,4 مليار درهم لدى “TGCC”، و12,8 مليار درهم لدى “جيت كونتراكتورز”، بمجموع يقارب 76 مليار درهم.
غير أن هذه الأرقام، رغم أهميتها، تطرح تحديا جديدا أمام الشركات، يتمثل في القدرة على تنفيذ هذه المشاريع بهوامش ربحية مناسبة، في ظل ارتفاع تكاليف المواد الأولية واليد العاملة والتمويل. فحجم الطلبيات لم يعد وحده معيارا كافيا، بل أصبحت جودة التنفيذ والقدرة على تحويل المشاريع إلى أرباح هي العامل الحاسم في تقييم الأسهم.
وأوضح عثمان بوسريف، مستشار مالي متخصص في تدبير المحافظ الاستثمارية، أن دفاتر الطلبيات أصبحت مؤشرا مهما في تقييم شركات البناء، لكنها تبقى مرتبطة بهوامش التنفيذ وحاجيات التمويل والرأسمال العامل، مشيرا إلى أن المستثمرين يبحثون حاليا عن جودة النمو وليس فقط عن حجمه.
وفي موازاة ذلك، تعززت قاعدة المستثمرين في السوق، بعدما تجاوز عدد حسابات السندات 401 ألف حساب، مسجلا نموا بنسبة 74 في المائة خلال 2025. كما بلغت أصول صناديق الأسهم 77,2 مليار درهم، بعد تسجيل تجميع صاف بقيمة 10,6 مليارات درهم.
كما شكل إدراج مجموعة “T2S” مؤشرا على حجم السيولة المتوفرة بالسوق، بعدما بلغت طلبات الاكتتاب 48,1 مليار درهم مقابل عرض بقيمة 1,1 مليار درهم، بمشاركة أكثر من 111 ألف مكتتب، ما يعكس استمرار وجود شهية استثمارية رغم مرحلة التصحيح.
وتبقى السياسة النقدية عاملا آخر في معادلة السوق، بعدما حافظ بنك المغرب على سعر الفائدة الرئيسي عند 2,25 في المائة، وهو ما يوفر ظروفا أكثر ملاءمة للتمويل مقارنة بفترة التشديد النقدي. غير أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة عالميا وعودة مخاوف التضخم قد يعيدان التأثير على قرارات المستثمرين، خاصة إذا ارتفعت عوائد السندات.
وبهذا تدخل بورصة الدار البيضاء المرحلة المقبلة وسط معادلة معقدة تجمع بين نتائج الشركات، ودورة الاستثمار العمومي، والسيولة المتاحة، وتطور أسعار الفائدة. فبعد سنوات من الصعود القوي، أصبح “مازي” أمام اختبار جديد عنوانه قدرة الشركات على إثبات أن النمو المسجل ليس مجرد موجة ظرفية، بل مسار قادر على إنتاج أرباح وتدفقات نقدية حقيقية، وهو ما سيحدد اتجاه السوق خلال ما تبقى من 2026.





