بلاغ “الأحرار”: خطاب التزكية وغياب النقد

حزب اخنوش يقدم الأرقام الكبيرة والأسئلة المؤجلة أي حين تُغلف الأزمات بلغة الإنجازات!

الرباط: ريم بنكرة

عقد المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار اجتماعه الأخير بمدينة الداخلة، في خطوة أراد من خلالها أن يؤكد انخراطه في الجهوية المتقدمة والإنصات للمواطنين، كما جاء في بلاغه الصادر عقب اللقاء. غير أن القراءة المتأنية لمضامين هذا البلاغ تكشف عن طبيعة خطاب سياسي يجنح نحو التزكية الذاتية المطلقة والترويج الحكومي المنفصل عن الواقع الاجتماعي، أكثر من كونه ممارسة سياسية تستوعب شروط المرحلة بما فيها من توترات وتحديات داخلية وخارجية.

تمجيد الإنجاز الملكي وتوظيفه حزبياً

لا تخفى أهمية ما تحقق من مكتسبات في ملف الصحراء المغربية، بدبلوماسية يقودها الملك محمد السادس بثبات وحنكة. غير أن اللافت في البلاغ هو الانصهار الكامل للحزب في الخطاب الملكي دون أي تمايز حزبي أو نقدي، مما يطرح سؤالاً حول حدود استقلالية الرؤية السياسية لحزب يقود الحكومة، لكنه يقدم نفسه أقرب إلى ناطق باسم “السياسة العليا للدولة” منه إلى فاعل سياسي مسؤول عن قراراته وتدبيره اليومي.

القضية الفلسطينية: تضامن مشروط بالصمت عن التطبيع

الفقرة المتعلقة بالقضية الفلسطينية لم تخرج عن الإدانة اللفظية التقليدية للهجمات الإسرائيلية، وهو ما يبدو منسجماً مع الموقف الرسمي للدولة. لكن الغائب في البلاغ هو أي توضيح لموقف الحزب من التطبيع المغربي الإسرائيلي، وهو ما يطرح مفارقة سياسية صارخة: كيف يدين الحزب اعتداءات إسرائيلية على الفلسطينيين، دون أن يوضح مبررات استمرار الشراكات مع دولة تنتهك القوانين الدولية والإنسانية؟ الصمت هنا ليس موقفا محايدا، بل تواطؤ ضمني مع تناقضات السياسة الخارجية.

بلاغ الأرقام: حين تُغلف الأزمات بلغة الإنجازات

المقطع الأكثر تفصيلا في البلاغ يرتبط بالحوار الاجتماعي ومكتسبات الشغيلة، حيث يتم سرد معطيات مالية ضخمة حول الزيادات في الأجور والدعم الاجتماعي وبرامج التشغيل. غير أن هذه الأرقام، وإن كانت إيجابية على الورق، تصطدم بواقع اجتماعي موسوم بالغلاء والتفاوت والاحتقان. فهل يعكس هذا البلاغ حقيقة شعور المواطنين؟ أم أن الحزب يتحدث بلغة “التكنوقراط المتفائلين”، المنفصلة عن معاناة المواطن البسيط في السوق والإدارة والمدرسة والمستشفى؟

الإنصات الموجه أم الحملة الانتخابية المبكرة؟

مبادرة “مسار الإنجازات”، التي يطلقها الحزب في جولته الوطنية، تقدم على أنها آلية إنصات للمواطنين. غير أن توقيتها بالتزامن مع منتصف الولاية الانتدابية، يجعلها أقرب إلى حملة سياسية لتهيئة المزاج العام لما تبقى من عمر الحكومة، بل وربما لما بعده. وهنا تطرح علامات استفهام حول استعمال آليات الدولة والتموقع الحكومي لأغراض حزبية وانتخابية.

غياب المعارضة والنقد الذاتي: لغة الحزب الواحد؟

الأكثر إثارة في البلاغ هو غياب أي إشارة للمعارضة أو حتى للجدل السياسي المشروع. كما أن الخطاب كله يتجه نحو التمجيد الذاتي الخالص، دون أدنى ممارسة للنقد الذاتي أو الاعتراف بالاختلالات. فهل نحن أمام حزب يقود حكومة في نظام ديمقراطي، أم أمام ثقافة سياسية ترى في الحكومة أداة تزكية وليست موضوعاً للمساءلة والمراجعة؟

الحاجة إلى خطاب سياسي واقعي

في بلد يعيش تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة ويواجه تحديات جهوية وإقليمية معقدة، لا يكفي أن تقدم الأحزاب الحاكمة بلاغات مبهرة بالأرقام والأوصاف. المطلوب اليوم هو خطاب سياسي ناضج، يعترف بالأزمات ويشرح الاختلالات، ويصوغ الحلول بشجاعة ووضوح. أما لغة التزكية المطلقة، فقد عفا عنها الزمن ولم تعد تقنع لا الشارع ولا المواطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى