الطاقة المتجددة في المغرب: من جاذبية الاستثمار إلى رهانات السيادة والتنمية

بقلم: الخبير المهدي البوعزاوي

يشهد قطاع الطاقة المتجددة في المغرب طفرة نوعية في الآونة الأخيرة، تجسدت في تدفق عدد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، أبرزها ما أعلنته مؤخرًا مجموعة “كير” الفرنسية، التي حصلت على تراخيص لإنشاء مشروعين كبيرين في تطوان وتيزنيت بطاقة إجمالية تصل إلى 178 ميغاواط. غير أن هذه المشاريع، رغم أهميتها، لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع الذي يربط بين الاستثمار الطاقي وضرورات التنمية، والسيادة الاقتصادية، والانتقال البيئي.

تحولات تشريعية تعزز جاذبية السوق

لقد شكّل قانون 13-09 نقطة تحول محورية في سياسة المغرب الطاقية، حيث فتح المجال أمام القطاع الخاص لإنتاج الكهرباء، وساهم في ترسيخ صورة المغرب كوجهة موثوقة للمستثمرين. ويبدو أن الإصلاحات التنظيمية، مثل إقرار تعريفة واضحة وضمان ولوج شبكة الجهد المتوسط، بدأت تؤتي أكلها، كما يتضح من توسع مجموعات دولية وازنة في السوق المحلية.

لكن جاذبية الإطار القانوني تظل مشروطة بمدى قدرته على الموازنة بين مصلحة المستثمر ومصلحة الدولة والمواطن. فالسؤال الأهم ليس فقط: “كم عدد المشاريع التي تم الترخيص لها؟” بل أيضًا: “من يتحكم في إنتاج الطاقة؟ ومن يستفيد من مردودها الاقتصادي؟”

التحول من الاستهلاك الذاتي إلى التموقع الصناعي

التحول المعلن من طرف “كير المغرب” نحو إنتاج الطاقة لفائدة القطاع الصناعي يُعد خطوة لافتة، إذ يعكس وعيًا متزايدًا بدور الطاقات المتجددة في تخفيض كلفة الإنتاج وتحسين تنافسية الشركات. إلا أن هذا التوجه يطرح تحديات مرتبطة بتأمين استقرار التزويد، وتحديث البنية التحتية للشبكة الوطنية، وكذا تعزيز قدرات التخزين، وهي رهانات تقنية لا تقل أهمية عن الجاذبية المالية.

البيئة في قلب المعادلة

لا يمكن إغفال البعد البيئي الذي يشكل خلفية استراتيجية لهذه المشاريع. فالمغرب، بتوقيعه على اتفاق باريس للمناخ والتزاماته الوطنية بخفض الانبعاثات، يجعل من كل استثمار في الطاقة النظيفة خطوة في مسار طويل نحو تحوّل إيكولوجي ضروري. وتشير التقديرات إلى أن مشروعي “كير” سيساهمان في تقليص 334 ألف طن من انبعاثات الكربون سنويًا، وهو رقم مهم، لكن رهانه الحقيقي يكمن في تعميم هذه الدينامية على باقي القطاعات الإنتاجية.

نحو نموذج مغربي متكامل؟

الفرص التي يتيحها هذا القطاع ليست قليلة: من تقليص التبعية الطاقية، إلى خلق فرص شغل، إلى تموقع إقليمي استراتيجي. غير أن تحقيق هذا الطموح يمر حتمًا عبر بناء نموذج متكامل للحوكمة الطاقية، يستند إلى الشفافية، وتحقيق النجاعة وتثمين القدرات الوطنية العلمية والتقنية.

الاستثمار في الطاقة ليس مجرد خيار اقتصادي إنه اليوم ورقة سيادية، وأداة سياسية، ومفتاح للعدالة المناخية والتنمية المستدامة. ولأن المغرب يملك الإمكانيات، فإن الرهان الأكبر يظل: كيف نحول هذه المشاريع إلى رافعة فعلية للإقلاع الوطني؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى