من هرمز إلى باب المندب: العالم على حافة اختناق طاقي غير مسبوق

الرباط: إستثمار الدولي

لم يعد التهديد الذي يخيّم على أمن الملاحة البحرية مجرد احتمال نظري، بل تحول إلى واقع جيوسياسي ضاغط مع إغلاق إيران لمضيق هرمز، في خطوة تعيد رسم خريطة التوتر في الخليج وتفتح الباب أمام سيناريو أكثر خطورة يتمثل في امتداد رقعة الحرب نحو البحر الأحمر ومعبر باب المندب. بهذا التطور، يجد الاقتصاد العالمي نفسه أمام معادلة غير مسبوقة: شلّ محتمل لأهم شريانين لنقل الطاقة والتجارة في العالم في وقت واحد.

في هذا السياق، تكتسب التحركات العسكرية للحوثيين في محافظة الحديدة دلالة استراتيجية أعمق، إذ لم تعد مجرد ورقة ضغط محلية، بل تبدو كجزء من مشهد إقليمي مترابط قد يدفع نحو تطويق الملاحة الدولية من جهتين حيويتين. فالألغام البحرية، رغم بساطتها التقنية، تتحول إلى أداة فعالة لخلق حالة من الردع غير المتكافئ، تجعل القوى الكبرى عاجزة عن ضمان أمن الممرات دون كلفة باهظة وتعقيدات ميدانية كبيرة.

المقارنة بين مضيقي هرمز وباب المندب تكشف حجم الخطر: الأول يمثل بوابة تصدير النفط الخليجي نحو العالم، فيما يشكل الثاني حلقة وصل حاسمة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس. وإذا كان إغلاق أحدهما كفيلاً بإرباك الأسواق، فإن تعطلهما معاً يضع النظام الاقتصادي العالمي أمام صدمة مزدوجة قد تدفع بأسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة، وسط توقعات تتجاوز 200 دولار للبرميل، ليس فقط بسبب نقص الإمدادات، بل نتيجة تصاعد “اقتصاد الخوف” الذي يضخم ردود فعل الأسواق.

غير أن التأثير لا يقف عند حدود الطاقة، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد العالمية، حيث ستضطر شركات الشحن إلى تغيير مساراتها نحو طرق أطول عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعني ارتفاعاً حاداً في تكاليف النقل والتأمين، وتأخراً في وصول السلع، وبالتالي موجة تضخمية جديدة قد تضرب مختلف الاقتصادات، خصوصاً الهشة منها.

ومن زاوية نقدية، يطرح هذا التصعيد تساؤلات جدية حول هشاشة النظام الدولي في حماية الممرات الاستراتيجية، إذ يكشف كيف يمكن لصراعات إقليمية وأدوات غير تقليدية أن تهدد توازنات اقتصادية عالمية معقدة. كما يبرز محدودية المقاربات العسكرية التقليدية في مواجهة تهديدات تعتمد على حرب الاستنزاف وخلق عدم اليقين بدل المواجهة المباشرة.

في المحصلة، يبدو العالم اليوم أمام منعطف حاسم، حيث لم يعد الحديث عن أزمة طاقة ظرفية، بل عن إعادة تشكيل محتملة لموازين القوة الاقتصادية، قد تدفع الدول إلى البحث عن بدائل استراتيجية طويلة المدى لتأمين إمداداتها وتقليص اعتمادها على ممرات باتت رهينة التوترات الجيوسياسية. وبين هرمز وباب المندب، تتشكل ملامح أزمة قد تعيد تعريف العولمة نفسها تحت ضغط المخاطر الأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى