
“الاقتصاد غير المهيكل.. كرة ثلج تهدد السياسات الضريبية وتفضح هشاشة النموذج التنموي”
الرباط: ناريمان بنمسعود
لم يكن تصريح وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح، أمام البرلمان، حول قطاع الملابس المستعملة مجرد رد تقني على سؤال برلماني، بل أشبه بمرآة عكست عمق أزمة بنيوية يعيشها الاقتصاد المغربي. فالظاهرة، التي قد تبدو للوهلة الأولى مرتبطة بملابس رخيصة تتداول في الأسواق الشعبية، تكشف في الحقيقة عن ثقل اقتصاد غير مهيكل يبتلع أزيد من 2 مليون وحدة إنتاج، ويدير معاملات تناهز 527 مليار درهم خارج المنظومة الرسمية.
ورغم محاولات الحكومة منذ 2021 عبر النظام الضريبي الموحد (CPU) أو آلية المقاول الذاتي لتشجيع الإدماج الطوعي، فإن النتائج لا تزال دون مستوى الطموحات. صحيح أن هذه الآليات منحت آلاف المهنيين غطاءً صحياً وتبسيطاً في المساطر، لكنها في المقابل لم تقترب كثيراً من العمق الحقيقي للإشكال: هشاشة النسيج الاقتصادي، وضعف الثقة بين الفاعلين والدولة، وانعدام الحوافز الكفيلة بتحويل النشاط غير المهيكل إلى رافعة للتنمية بدل أن يظل ملاذاً للهشاشة.
المفارقة أن الدولة تلوّح دوماً برقمنة المساطر وتبسيطها كحلّ سحري، في حين أن المعضلة أعمق من مجرد إجراءات إدارية. فالتجار الصغار والحرفيون الذين يشكلون 85% من الوحدات غير المهيكلة، غالباً ما يعملون بهوامش ربح محدودة، ويعتبرون الانخراط في النظام الرسمي عبئاً إضافياً يهدد بقاءهم، لا فرصة لتوسيع أنشطتهم.
الملابس المستعملة ليست إذاً سوى قمة جبل الجليد؛ قضية تختزل صراعاً دائماً بين الدولة التي تبحث عن موارد جبائية جديدة، وفئات اجتماعية ترى في الاقتصاد غير المهيكل آخر ما تبقى من صمامات الأمان في ظل ارتفاع كلفة المعيشة وتآكل فرص الشغل الكريم.
التحدي اليوم ليس في سن قوانين جديدة بقدر ما يكمن في صياغة رؤية متكاملة: كيف يمكن تحويل الاقتصاد غير المهيكل من كتلة معطلة للنمو إلى مجال محفّز للإبداع والتشغيل؟ كيف يمكن بناء ثقة حقيقية تُشجع الفاعلين الصغار على الاندماج دون خوف من الرسوم والضرائب الثقيلة؟
ما طرحته الوزيرة يعيد فتح ملف قديم جديد: هل نملك فعلاً الإرادة السياسية والخيال الاقتصادي لتفكيك هذه “القنبلة الموقوتة” التي تهدد استقرار المالية العمومية وتضعف أي محاولة لبناء نموذج تنموي صلب؟ أم أننا سنكتفي بترقيعات قانونية تجعل كرة الثلج تكبر أكثر في قادم السنوات؟





