هل يكفي تحسن ترتيب المغرب لطمأنة المستثمرين؟ قراءة في مؤشر الربحية العالمي

استثمارات أجنبية على المحك: لماذا لا يتقدم المغرب رغم الإصلاحات؟

الرباط: د المهدي الجرباوي

في خضم السباق الدولي المحموم نحو استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، جاء تصنيف المغرب في المرتبة 52 عالمياً حسب مؤشر الربحية الأساسي العالمي (BPI) لسنة 2025، برصيد 1.06 نقطة. هذا الترتيب يعكس تقدماً طفيفاً مقارنة بالعام الماضي (الرتبة 53)، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن هامش محدود للجاذبية الاقتصادية مقارنة بعدد من الدول المنافسة، سواء في إفريقيا أو في باقي مناطق العالم النامي.

مؤشر الربحية الأساسي العالمي (Basic Profitability Index) لا يقيس حجم تدفقات الاستثمار فقط، بل ينظر بعمق إلى الربحية الفعلية طويلة الأجل التي يمكن أن يحققها المستثمر في بلد معين. ويعتمد على ثلاث ركائز رئيسية:

نمو الأصول.

الحفاظ على القيمة.

استقرار رؤوس الأموال.

أي أن الدول التي تحقق توازناً بين النمو الاقتصادي المستدام والاستقرار المؤسسي والمالي تكون أكثر قدرة على إقناع المستثمرين بالاستمرار.

رغم تحسن ترتيبه، فإن موقع المغرب في الرتبة 52 لا يعكس طموحات بلد يستهدف، في خطاباته الرسمية، التحول إلى قطب إقليمي للاستثمار والإنتاج. إذ تفوقت عليه دول مثل:

الهند (المركز الأول عالميًا)، التي جمعت بين حجم السوق الداخلي والإصلاحات البنيوية.

رواندا (الثانية عالميًا والأولى إفريقيًا)، التي عززت مناخ الأعمال وتفوقت على المغرب رغم محدودية مواردها الطبيعية.

ماليزيا، الفلبين، وفيتنام، وهي دول آسيوية تمكّنت من خلق بيئات استثمارية ديناميكية بفضل سياسات تصنيعية متقدمة وحوافز ضريبية قوية.

الأمر اللافت أيضاً هو دخول دول عربية ضمن العشرين الأوائل:

السعودية (المرتبة 11) بفضل إصلاحات رؤية 2030 وتنويع الاقتصاد.

مصر (المرتبة 13) رغم تحدياتها الاقتصادية، إلا أنها استطاعت أن تحسن موقعها عبر برامج الخصخصة والإصلاح النقدي.

رغم بعض الجهود الحكومية، فإن التحسن الطفيف للمغرب في هذا المؤشر يُطرح كإشارة تحذير أكثر منه كعلامة على نجاح كبير. فالتحديات التي تعيق الجاذبية الاقتصادية المغربية ما تزال قائمة، وعلى رأسها:

البيروقراطية الإدارية.

بطء في تنفيذ إصلاحات القضاء ومناخ الأعمال.

محدودية الشفافية في تدبير المشاريع العمومية والشراكات.

إلى جانب ذلك، فإن غياب الاستقرار في الآجال التجارية (كما ناقشه مرصد الأداء) وعدم احترام آجال الأداء يشكلان عاملين سلبيين في تقييم المستثمرين لجدية السوق المغربية.

لتحسين موقعه في مؤشرات مثل BPI، يحتاج المغرب إلى تجاوز مقاربة “الإصلاحات الموضعية” والتحول نحو رؤية هيكلية تضع الاستثمار في قلب السياسة الاقتصادية، من خلال:

تبسيط أكبر للإجراءات الإدارية والجبائية.

تعزيز الشفافية في تدبير الأراضي الصناعية والرخص.

ربط التعليم العالي بمتطلبات السوق لضمان كفاءة اليد العاملة.

تسريع التحول الرقمي للمرافق العمومية.

تحسن ترتيب المغرب في مؤشر الربحية لا ينبغي اعتباره إنجازاً كافياً، بل يجب أن يُقرأ كتحذير بأن بلداناً أصغر حجماً أو أفقر موارد باتت تتجاوزه بسرعة، بفضل وضوح الرؤية، وسرعة التنفيذ، والشراكة الفعلية بين الدولة والمستثمر.

إذا أراد المغرب فعلاً أن يتحول إلى قطب استثماري قارّي، فعليه أن يتعلم من دروس رواندا وفيتنام ومصر، لا فقط أن يراقبها من بعيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى