حقوق النساء الاقتصادية بالمغرب بين النصوص والواقع.. البنك الدولي يكشف فجوة التنفيذ

الرباط: نارمان بنمسعود

كشف تقرير البنك الدولي الأخير عن مفارقة لافتة في مسار تمكين النساء اقتصادياً بالمغرب، إذ أظهر أن المملكة تحقق تقدماً نسبياً مقارنة بعدد من دول المنطقة، لكنها ما تزال بعيدة عن المعايير الدولية التي تجعل المساواة القانونية رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية.

وبين ترتيب إقليمي متقدم وتصنيف عالمي متأخر، يطرح التقرير سؤالاً جوهرياً: هل تكفي الإصلاحات القانونية وحدها لضمان حضور المرأة في الدورة الاقتصادية، أم أن الفجوة بين النصوص والتطبيق لا تزال أكبر من أن تُردم بسهولة؟

فوفق تقرير “المرأة وأنشطة الأعمال والقانون 2026” الصادر عن البنك الدولي، احتل المغرب المرتبة 124 من أصل 190 اقتصاداً في مؤشر الإطار القانوني المنظم للحقوق الاقتصادية للنساء، بعدما حصل على 60.95 نقطة من أصل 100.

ورغم أن هذه النتيجة تبقى دون المتوسط العالمي المحدد في 67 نقطة، فإنها تتجاوز بوضوح متوسط منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الذي لم يتجاوز 43.24 نقطة، ما يعكس موقعاً وسطاً بين الاقتصادات المتقدمة والدول التي لا تزال تواجه تحديات أكبر في تحديث تشريعاتها.

ويستند التقرير إلى ثلاثة محاور أساسية تتمثل في الإطار القانوني، وآليات الدعم، والتطبيق الفعلي للحقوق، وهي مؤشرات لا تكتفي بقياس وجود القوانين، بل تحاول تقييم مدى قدرة هذه المنظومة على تمكين النساء من المشاركة الكاملة في النشاط الاقتصادي.

وفي المقارنة الدولية، يؤكد التقرير أن العالم بأسره لم يبلغ بعد مستوى المساواة القانونية الكاملة، إذ لا تتمتع النساء عالمياً سوى بأقل من ثلثي الحقوق القانونية التي يحصل عليها الرجال، بينما لا تتجاوز نسبة النساء اللواتي يعشن في دول تقترب من تحقيق المساواة القانونية الشاملة 4 في المائة. ويعني ذلك أن التحدي لا يخص المغرب وحده، بل يمثل إشكالاً عالمياً، وإن كانت حدته تختلف من بلد إلى آخر.

وعلى الصعيد الإقليمي، استطاع المغرب الحفاظ على موقع متقدم مقارنة بعدد من الدول العربية، متقدماً على السعودية والإمارات والأردن ومصر وتونس والجزائر، وهو ما يعكس وتيرة إصلاحات تشريعية أسرع نسبياً في بعض المجالات المرتبطة بالحقوق الاقتصادية للنساء، دون أن يعني ذلك بلوغ مستوى الاقتصادات الرائدة عالمياً.

ويغطي مؤشر الإطار القانوني عشرة مجالات رئيسية تشمل الأمن، والتنقل، والعمل، والأجور، والزواج، والأبوة والأمومة، ورعاية الأطفال، وريادة الأعمال، والملكية، والتقاعد، من خلال أربعين مؤشراً فرعياً تقيس مدى انسجام التشريعات مع مبادئ المساواة الاقتصادية.

وفي مؤشر آليات الدعم، حقق المغرب نتيجة أفضل نسبياً بحصوله على 49.38 نقطة، محتلاً المرتبة 85 عالمياً، متجاوزاً المتوسط العالمي البالغ 47 نقطة، وكذلك متوسط المنطقة المحدد في 36.25 نقطة. ويعكس هذا المؤشر مدى توفر المؤسسات والسياسات العمومية وآليات الولوج إلى العدالة والخدمات الإدارية وقواعد البيانات التي تساعد على تحويل الحقوق القانونية إلى إجراءات عملية. غير أن المقارنة مع الدول المتصدرة، مثل كندا وفرنسا وإسبانيا، تظهر أن هامش التطوير لا يزال واسعاً، خصوصاً في ما يتعلق بجودة الخدمات العمومية وفعالية المؤسسات.

أما على مستوى التطبيق الفعلي للقوانين، فقد جاء المغرب في المرتبة 91 من أصل 178 اقتصاداً بعد تسجيله 52.34 نقطة، بفارق طفيف عن المتوسط العالمي البالغ 53.31 نقطة، ومتقدماً بشكل واضح على متوسط منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ويبرز هذا المؤشر أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في سن القوانين، وإنما في قدرة الإدارات والمؤسسات القضائية وهيئات المراقبة على ضمان تنفيذها بشكل متساوٍ وفعال.

وتكشف هذه النتائج أن المغرب يوجد اليوم في مرحلة انتقالية؛ فقد قطع أشواطاً في تحديث الإطار القانوني وتعزيز بعض آليات الدعم، لكنه لا يزال مطالباً بتقليص الفجوة بين التشريع والممارسة. فالقوانين وحدها لا تكفي إذا لم تتحول إلى فرص متكافئة في سوق الشغل، وحماية فعلية للأجور، ودعم لريادة الأعمال، وتيسير للولوج إلى العدالة والخدمات.

وفي المحصلة، يقدم تقرير البنك الدولي صورة متوازنة عن واقع الحقوق الاقتصادية للنساء في المغرب؛ فهو لا يرسم مشهداً قاتماً ولا يمنح شهادة نجاح كاملة، بل يضع المملكة أمام معادلة واضحة: الحفاظ على التقدم الإقليمي، مع تسريع وتيرة الإصلاحات المؤسساتية والتنفيذية حتى تتحول المساواة القانونية من نصوص على الورق إلى واقع اقتصادي ينعكس على مشاركة النساء في التنمية والإنتاج والنمو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى