
تنفيس سدّ المخازن يوقف الرحلات ويكشف هشاشة تدبير الطوارئ في النقل السككي بين طنجة والقنيطرة
الرباط: إدريس بنمسعود
لم يكن قرار تنفيس سدّ المخازن، في سياق الارتفاع الكبير لمنسوب المياه بعد التساقطات الأخيرة، مجرد إجراء تقني معزول تفرضه ضرورات السلامة المائية، بل تحوّل إلى حدث ذي كلفة اجتماعية واقتصادية مباشرة، بعدما أدى إلى توقف عدد من الرحلات وارتباك واضح في حركة النقل السككي بين طنجة والقنيطرة، أحد أكثر المحاور حيوية في شبكة السكك الحديدية بالمغرب.
فمع شروع السلطات المختصة في عمليات التنفيس الوقائي لتفادي مخاطر فيضانات محتملة، وجد المسافرون أنفسهم أمام واقع مفاجئ: تأخيرات طويلة، إلغاءات غير مبرمجة، ونقص حاد في المعلومة الدقيقة. مشاهد الازدحام داخل المحطات، وحالة التذمر التي سادت في صفوف الركاب، أعادت إلى الواجهة سؤال الجاهزية المسبقة، ومدى قدرة القطاعات الحيوية على التفاعل المنسق مع القرارات الاستعجالية ذات الطابع التقني.
من الناحية التقنية، لا يختلف اثنان حول أهمية تنفيس السدود كإجراء وقائي لتفادي سيناريوهات كارثية، خاصة في ظل تغيرات مناخية متسارعة تجعل من الفيضانات خطراً قائماً لا يمكن الاستهانة به. غير أن الإشكال لا يكمن في القرار ذاته، بل في غياب مقاربة شمولية تراعي تأثيراته المتقاطعة على باقي المرافق العمومية، وفي مقدمتها النقل السككي الذي يشكل شرياناً حيوياً للتنقل اليومي والأنشطة الاقتصادية.
الارتباك الذي عرفه محور طنجة–القنيطرة كشف، مرة أخرى، محدودية آليات التنسيق بين القطاعات، حيث بدا أن قراراً استراتيجياً بحجم تنفيس سدّ المخازن لم يُواكَب بخطة تواصل واضحة ولا بسيناريوهات بديلة تضمن الحد الأدنى من استمرارية الخدمة أو، على الأقل، توفير حلول انتقالية تحترم حقوق المسافرين. فالتوقف المفاجئ للرحلات لم يضرب فقط تنقل الأفراد، بل انعكس أيضاً على حركة الشحن، والالتزامات المهنية، والسياحة، في محور يُعد من الأعمدة الاقتصادية للبلاد.
الأخطر من ذلك أن تكرار مثل هذه الارتباكات يعمّق فقدان الثقة في المرفق العمومي، ويعزز الإحساس بأن المواطن يظل الحلقة الأضعف في معادلة تدبير الأزمات. فالمسافر الذي يقتني تذكرة في إطار مرفق منظم، يفترض أن يستفيد من حد أدنى من الاستباقية والشفافية، لا أن يُفاجأ بقرارات مصيرية دون إشعار كافٍ أو بدائل عملية.
كما يطرح هذا الوضع تساؤلات حول مدى جاهزية البنية التحتية السككية نفسها للتعايش مع المخاطر الطبيعية، وحول ما إذا كانت الاستثمارات الضخمة التي ضُخت في القطاع قد أُرفقت فعلاً برؤية متكاملة لتدبير المخاطر، أم أنها ظلت محصورة في منطق التوسعة والتحديث التقني دون إدماج فعلي لمنطق الصمود المناخي.
إن ما حدث بين طنجة والقنيطرة لا ينبغي قراءته كحادث عرضي، بل كمؤشر على خلل أعمق في حكامة تدبير الطوارئ، حيث تستمر القرارات القطاعية في الاشتغال داخل جزر معزولة، بدل الانخراط في منظومة تنسيق أفقي تضع المواطن في قلب الاهتمام. فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في حماية السدود أو السكك، بل في حماية ثقة المواطن في قدرة الدولة على تدبير الأزمات بأقل كلفة اجتماعية ممكنة.
وفي المحصلة، يفرض تنفيس سدّ المخازن وما ترتب عنه من ارتباك سككي مراجعة شاملة لمنهجية التعامل مع المخاطر الطبيعية، عبر الانتقال من رد الفعل إلى التخطيط الاستباقي، ومن القرارات التقنية الصرفة إلى سياسات عمومية مندمجة، تُدرك أن الأمن المائي لا ينفصل عن الأمن الاجتماعي، وأن أي خلل في التنسيق قد يحوّل إجراءً وقائياً إلى أزمة متعددة الأبعاد.





