
تجار الأزمات في القصر الكبير والشمال: حين تتحول الفيضانات إلى سوق مفتوحة للجشع
الرباط: إستثمار
لم تكد مياه الفيضانات تنحسر عن أحياء مدينة القصر الكبير وعدد من مناطق الشمال، حتى ظهرت على السطح أزمة من نوع آخر، أقل وضوحاً من السيول لكنها أشد وطأة على جيوب المواطنين ومعيشتهم: أزمة الجشع واستغلال المحنة. ففي وقت كان يفترض أن يسود فيه التضامن والتكافل، تحولت بعض الحاجيات الأساسية إلى سلع نادرة بأسعار صادمة، كشفت عن وجود ما يُعرف بتجار الأزمات.
شهادات متطابقة من متضررين أكدت أن ثمن “الشمعة ” بلغ حوالي 15 درهماً للوحدة، في حين قفزت تسعيرة “الطاكسي الصغير” إلى حدود 100 درهم داخل المدار الحضري، دون أي مبرر قانوني أو ظرفي، سوى استغلال حالة الارتباك والخوف والحاجة الملحّة لدى الساكنة. هذه الممارسات لم تكن معزولة أو فردية، بل اتخذت طابعاً شبه منظم في بعض المناطق، ما يطرح أسئلة عميقة حول فعالية المراقبة ونجاعة الردع.
في خضم هذا الجدل، خرج رياض مزور، وزير التجارة والصناعة، بتصريحات قوية خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، متوعداً ما أسماهم بـ”الفراقشية” وتجار الأزمات، ورافضاً في الوقت نفسه أي توظيف سياسي للكوارث الطبيعية. وأكد الوزير أن موقف الحكومة كان “صارماً”،
مشيراً إلى أن من ثبت تورطه في الزيادة غير المشروعة في الأسعار “كلا العصا وتشد”، مضيفاً أن المتضررين توصلوا بالسلع الأساسية مجاناً في إطار التدخلات الاستعجالية.
غير أن لغة الحزم التي حملتها تصريحات الوزير، رغم أهميتها الرمزية، تطرح إشكالاً آخر أكثر عمقاً: لماذا تتكرر الظاهرة مع كل أزمة؟ ولماذا لا يظهر تجار الأزمات إلا حين تغيب الدولة أو تتأخر آلياتها؟ فاعتراف مزور نفسه بوجود “الفراقشية” واستمرارهم بقوله “كاينين وغيبقاو” يوحي بأن الإشكال بنيوي، لا يرتبط فقط بالمراقبة الظرفية، بل بثقافة اقتصادية هشة ترى في الكوارث فرصة للربح السريع بدل مسؤولية جماعية.
الأخطر من ذلك أن هذه الممارسات لا تضرب فقط القدرة الشرائية للمواطنين، بل تقوض الثقة في السوق وفي الخطاب الرسمي على حد سواء. فالمواطن الذي يرى الأسعار ترتفع أمام عينيه، بينما يسمع عن “مراقبة يومية” و”تتبع واحد بواحد”، سيظل متسائلاً عن الفجوة بين الخطاب والواقع، وعن من يدفع فعلاً ثمن هذه الفوضى.
إن فيضانات القصر الكبير والشمال لم تكن مجرد اختبار للبنية التحتية أو لنجاعة التدخلات الاستعجالية، بل كشفت أيضاً هشاشة المنظومة الأخلاقية في جزء من النشاط التجاري، ووضعت الدولة أمام امتحان مزدوج: ليس فقط في معاقبة المتورطين بعد وقوع الضرر، بل في بناء آليات وقائية تضمن ألا تتحول مآسي المواطنين إلى مناسبات للابتزاز والاغتناء غير المشروع.
في المحصلة، تبقى محاربة تجار الأزمات رهينة بالانتقال من ردود الفعل الغاضبة إلى سياسات استباقية واضحة، تجعل من كل أزمة لحظة تضامن حقيقي، لا موسماً مفتوحاً للجشع.





