بين محكمة الرأي العام ومحكمة القانون: العدوي تفكك أسطورة “تشْفارت” وتضع الفساد في ميزان المقارنة

الرباط: إستثمار

أثارت تصريحات زينب العدوي، الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، نقاشًا واسعًا لأنها اصطدمت مباشرة بواحدة من أكثر الأفكار رسوخًا في الوعي الجماعي: ربط المسؤولية العمومية تلقائيًا بالفساد ونهب المال العام. فالعدوي، بخطابها الصريح أمام البرلمان، لم تكتفِ بالدفاع عن عمل المحاكم المالية، بل حاولت تفكيك ما اعتبرته “تمثلات مضخَّمة” حول الفساد، ومقارنتها بالمعطيات الواقعية التي تفرزها آليات الرقابة والمحاسبة.

في المقارنة بين الصورة المتداولة في الفضاء العمومي، حيث يُنظر إلى كبار المسؤولين باعتبارهم “فوق المحاسبة”، وبين ما يجري داخل مؤسسات الرقابة، يظهر تباين واضح. فالرأي العام، المتأثر بتراكم الفضائح والخطاب الشعبوي، يميل إلى تعميم الاتهام، في حين تؤكد العدوي أن مساطر المراقبة لا تنتهي بالضرورة إلى إثبات جرائم مالية، وأن كثيرًا من القضايا التي تُضخَّم إعلاميًا تسقط أو تُعدَّل بعد استكمال المسطرة التواجهية والأخذ بعين الاعتبار أجوبة الإدارات المعنية.

هذا التناقض يبرز بوضوح عند مقارنة التقارير التمهيدية بالتقارير النهائية. فالعدوي نبهت إلى أن تسريب ملاحظات أولية، ذات طابع مؤقت، يخلق انطباعًا زائفًا بوجود “اختلاسات مؤكدة”، بينما تكشف التقارير النهائية، في كثير من الحالات، أن الأمر يتعلق بأخطاء تدبيرية أو اختلالات إجرائية لا ترقى إلى مستوى الجريمة الجنائية. هنا، يصبح الفرق شاسعًا بين منطق القضاء المالي القائم على التدرج والتحقيق، ومنطق الاتهام السياسي أو الانتخابي السريع.

وفي مقارنة أخرى ذات دلالة، فرّقت العدوي بين الجريمة المالية التي تدخل في اختصاص القضاء الجنائي، وبين المخالفات التدبيرية التي تنظر فيها المحاكم المالية. هذا التمييز، الذي يغيب غالبًا عن النقاش العمومي، يوضح أن ليس كل خرق للقانون اختلاسًا، وليس كل خطأ في التدبير مساسًا بالنزاهة.

فالكثير من القضايا، حسب المعطيات الرسمية، ترتبط بسوء تطبيق النصوص أو عدم احترام المساطر، دون وجود سوء نية أو إثراء غير مشروع.

الأرقام التي قدمتها العدوي تدعم هذا الطرح المقارن. فمن جهة، مكّنت تفاعلات الإدارات مع ملاحظات المحاكم المالية من تحقيق أثر مالي مهم بلغ حوالي 629 مليون درهم، عبر تحصيل ديون وواجبات واسترجاع مبالغ صُرفت دون وجه حق.

ومن جهة أخرى، سُجل حفظ عدد كبير من القضايا بعد الدراسة، إذ تم حفظ 34 قضية خلال جزء من سنة 2025، ليصل مجموع الملفات المحفوظة بين 2021 و2025 إلى 132 ملفًا. هذه المعطيات تقارن بوضوح بين خطاب “الإفلات من العقاب” السائد، وواقع مؤسساتي أكثر تعقيدًا، تحكمه المساطر والضمانات القانونية.

في المقابل، لا تنفي هذه المقارنة وجود فساد حقيقي. فالعدوي أقرت بإحالة 20 ملفًا سنة 2025 على رئاسة النيابة العامة، مع ما مجموعه 55 ملفًا منذ 2021، وهي ملفات يُشتبه في أنها تستوجب عقوبات جنائية. غير أن دلالة هذه الأرقام تكمن في كونها محدودة نسبيًا مقارنة بحجم التدبير العمومي، ما يعزز طرح أن الفساد ليس قاعدة مطلقة، بل ظاهرة موجودة تُعالج عبر القنوات القانونية.

التحذير الأبرز في خطاب العدوي كان سياسيًا بامتياز، حين نبهت إلى خطورة استغلال تقارير أجهزة الرقابة في الحملات الانتخابية. فهنا تظهر مقارنة أخرى بين منطق المحاسبة المؤسساتية ومنطق التوظيف السياسي، حيث تتحول التقارير من أدوات للإصلاح إلى أسلحة انتخابية، تُقتطع منها أجزاء وتُضخَّم أخرى لخدمة أجندات ظرفية، وهو ما يهدد مصداقية أجهزة الرقابة نفسها.

في المحصلة، يكشف خطاب زينب العدوي عن صراع صامت بين صورتين: صورة مسؤول “متهم حتى تثبت براءته” في مخيال عام مأزوم، وصورة مسؤول يُفترض فيه الخضوع لمسطرة قانونية دقيقة تحمي المال العام دون المساس بقرينة البراءة. وبين هاتين الصورتين، يظل التحدي الحقيقي هو بناء ثقة متوازنة، لا تُبرئ الفساد ولا تُجرّم المسؤولية العمومية بالجملة، بل تجعل من المحاسبة أداة إصلاح لا وقودًا للمزايدة السياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى