فيضانات القصر الكبير بين كارثة الطبيعة وفشل الهندسة

الرباط: إستثمار

في مشهد يتجاوز مجرد كارثة طبيعية عابرة، تتحول فيضانات القصر الكبير إلى نموذج صارخ لفشل تراكمي. فما يُروى عن ارتفاع منسوب المياه ليست سوى الجزء الظاهر من جبل جليد من التخطيط المعيب وإدارة المخاطر المشلولة. المياه التي تتدفق بلا هوادة في أحياء مثل عزبي الرفاعي والمرينة، بفعل تصريف سد وادي المخازن، ليست محض صدفة مناخية، بل هي محصلة حتمية لمنطق إداري قصر النظر يحول المنشآت الوقائية -كالأودية والسدود- إلى قنابل موقوتة تهدد المدن بدلاً من حمايتها.

العبارة الدقيقة التي نقلتها المصادر عن أن “المدينة بدأت تغرق من تحت ومن فوق” تختزل المأساة بكامل أبعادها. فهي تشير إلى عطب مزدوج: عطب في البنية التحتية الظاهرة (قنوات الصرف العاجزة) وعطب في فلسفة التخطيط الخفية. إن عجز القنوات عن تصريف المياه ليس بسبب هطول الأمطار فحسب، بل بسبب قرارات تصبّ المياه الفائضة من السد في نظام تصريف مدينة أصلاً على شفا الانهيار. إنه فشل دائري، حيث يغذي حلّ (السد) في تفاقم مشكلة أخرى (الفيضان الحضري)، في حلقة مفرغة من الكوارث المبرمجة.

لا يمكن، بمنطق نقدي، فصل هذه الكارثة عن سياق أوسع من العشوائية في التعامل مع البيئة والمناخ. استمرار الأجواء الماطرة هو عامل طبيعي متوقع في الحسابات المناخية للمنطقة، لكن تحوله إلى كارثة إنسانية هو اختيار بشري بحت. إن توجيه مياه السد، الذي يفترض أن يكون صمام أمان، نحو مجرى مائي عاجز (وادي اللوكوس) يفضح ثقافة إدارة الأزمات القائمة على ردود الأفعال الآنية، والمنفصلة عن أي رؤية شمولية تدمج إدارة الموارد المائية مع التخطيط العمراني واستراتيجيات التكيف مع التغيرات المناخية المتسارعة.

وهكذا، فإن الصورة لا تقتصر على شوارع غارقة، بل هي شاهد على غرق نظام كامل في مستنقع من الترهل. المياه المتصاعدة لا تغمر المنازل فحسب، بل تغمر أيضاً مصداقية الخطط وترفع منسوب التساؤلات الحادة حول جدوى مشاريع بنية تحتية تُبنى بمعزل عن الحساسية البيئية والاجتماعية للمناطق التي من المفترض أن تخدمها. القصر الكبير، في هذه اللحظة، ليست ضحية للطبيعة فقط، بل هي بالأساس ضحية لمنطق إداري جعل من السدود والمجاري المائية أدوات غرق بدلاً من أن تكون أدوات حياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى