
الدار البيضاء… حين تتحول العاصمة الاقتصادية إلى عاصمة للاقتصاد غير المهيكل
الدار البيضاء : نارمان بنمسعود
تُقدَّم الدار البيضاء، باعتبارها القلب النابض للاقتصاد المغربي، كنموذج للحداثة والاستثمار وجاذبية الرساميل، غير أن التجول في شوارعها وأحيائها يكشف مفارقة صارخة: مدينة تقود الناتج الداخلي الخام، لكنها في الوقت نفسه تحتضن واحدة من أكبر بؤر الاقتصاد غير المهيكل، وعلى رأسه ظاهرة الباعة الجائلين، التي تحولت من نشاط هامشي إلى مكوّن بنيوي من المشهد الاقتصادي والاجتماعي.
في الدار البيضاء، لا يُمكن اختزال ظاهرة الباعة الجائلين في الفقر وحده، بل في التناقض الحاد بين دينامية اقتصادية قوية ونمو حضري غير متوازن. فالعاصمة الاقتصادية تستقطب سنويًا آلاف المهاجرين الداخليين الباحثين عن فرص الشغل، في حين يعجز الاقتصاد المنظم عن استيعابهم، ما يدفعهم إلى الشارع كملاذ أخير. وهكذا، تصبح الأرصفة والساحات والأسواق العشوائية فضاءات بديلة للاقتصاد الرسمي، خارج أي تنظيم أو حماية.
اقتصاديًا، تعكس الظاهرة هشاشة النمو القائم في المدينة. فرغم احتضان الدار البيضاء للمناطق الصناعية الكبرى، والمقار المالية، والشركات متعددة الجنسيات، فإن هذا النمو يظل ضعيف الأثر اجتماعيًا، ولا يترجم إلى فرص شغل مستقرة لشرائح واسعة. انتشار الباعة الجائلين في أحياء مثل درب السلطان، الفداء، مولاي رشيد، سيدي مومن وحتى وسط المدينة، يفضح محدودية العدالة الاقتصادية، ويؤكد أن الثروة المُنتَجة لا تتوزع بشكل عادل.
الاقتصاد غير المهيكل في الدار البيضاء يشكل عبئًا مزدوجًا. فمن جهة، يحرم الجماعة والدولة من مداخيل ضريبية مهمة كان من شأنها تحسين البنية التحتية والخدمات العمومية في مدينة تعاني أصلًا من ضغط سكاني كبير.
ومن جهة أخرى، يخلق منافسة غير متكافئة مع التجار النظاميين، ما يهدد استمرارية النسيج التجاري المنظم، ويغذي الإحساس باللاعدالة والاحتقان الاجتماعي.
على المستوى الحضري، تحولت الظاهرة إلى معضلة تدبيرية مزمنة. فالمقاربة المعتمدة ظلت في الغالب أمنية أو ظرفية، تقوم على الحملات الموسمية لتحرير الملك العمومي، دون معالجة الأسباب العميقة. والنتيجة أن الباعة يعودون بسرعة أكبر، وبأعداد أكبر، ما يُفقد هذه التدخلات مصداقيتها ويُحوّلها إلى مجرد استعراض للسلطة بدل أداة للحل.
انعكاس هذا الواقع على مؤشر التنمية في أفق 2026 يبدو مقلقًا. فالدار البيضاء، باعتبارها واجهة المغرب الاقتصادية، تلعب دورًا حاسمًا في تحسين أو إضعاف صورة البلاد تنمويًا.
استمرار توسع الاقتصاد غير المهيكل داخلها يعني استمرار آلاف الأسر خارج التغطية الصحية والحماية الاجتماعية، واستمرار الهشاشة في التشغيل والدخل، وهو ما يحدّ من أي تحسن فعلي في مؤشرات التنمية البشرية، مهما تحسنت بعض الأرقام الكلية.
معالجة الظاهرة في الدار البيضاء تفرض الانتقال من منطق “التطهير الحضري” إلى منطق الإدماج الاقتصادي.
المدينة في حاجة إلى سياسة شجاعة تعترف بأن الباعة الجائلين جزء من المنظومة الاقتصادية، لا طارئون عليها. إدماجهم يمر عبر خلق أسواق نموذجية حقيقية لا تتحول إلى فضاءات مهجورة، وتبسيط مساطر الترخيص، وربط النشاط التجاري الصغير بالتغطية الاجتماعية والتمويل الأصغر، مع مواكبة فعلية لا شكلية.
في النهاية، تظل الدار البيضاء مرآة مكبرة لاختلالات التنمية في المغرب. فإذا نجحت الدولة في تحويل اقتصاد الشارع داخل العاصمة الاقتصادية إلى اقتصاد منظم ومنتج، فإن ذلك سيشكل نقطة تحول حقيقية في أفق 2026. أما إذا استمرت المعالجة بالمسكنات، فستظل المدينة، رغم ناطحاتها ومشاريعها الكبرى، تعيش على إيقاع اقتصاد الظل، وتُنتج تنمية بلا عدالة، ونموًا بلا كرامة.





