
بين خطاب الطمأنة وواقع الفيضان: سد واد المخازن تحت اختبار الأرقام والذاكرة الجماعية
الرباط: نارمان بنمسعود
في أول تفاعل رسمي مع الفيضانات التي تعيشها مدينة القصر الكبير، خرجت وزارة التجهيز والماء بخطاب تطميني على لسان المدير العام لهندسة المياه، صلاح الدين الذهبي، مؤكدة أن سد واد المخازن لا يُظهر، إلى حدود الساعة، أي اختلالات تقنية أو مؤشرات غير اعتيادية، رغم تجاوزه سعته الاعتيادية منذ السادس من يناير 2026. هذا المعطى، الذي قُدم كرسالة طمأنة للرأي العام، يأتي في سياق مشحون بالشائعات والمخاوف الشعبية من سيناريو “انفجار السد”، في مدينة تختزن ذاكرة مؤلمة مع الفيضانات.
الخطاب الرسمي، القائم على لغة الأرقام والمعايير التقنية، يقارن ضمنياً بين القلق الشعبي المتصاعد وواقع هندسي تؤكد الوزارة أنه “متحكم فيه”.
فحسب المعطيات المقدمة، يُنتظر أن يستقبل السد خلال الأسبوع المقبل واردات مائية تناهز 620 مليون متر مكعب، مع تسجيل حمولة قصوى للصبيب قد تصل إلى 3163 مترًا مكعبًا في الثانية، وهي أرقام ثقيلة تعكس حجم الضغط الهيدرولوجي الاستثنائي الذي تعرفه المنطقة.
في المقابل، تراهن الوزارة على آليات التدبير الوقائي، من خلال تصريف مائي مضبوط قد يبلغ سقف 1377 مترًا مكعبًا في الثانية، أي ما يعادل أربعة أضعاف الصبيب الحالي. هنا، يتجلى منطق المقارنة بين “الخطر المحتمل” و”التحكم التقني”، حيث تحاول المؤسسة الوصية التأكيد على أن ارتفاع الصبيب لا يعني بالضرورة خروج الوضع عن السيطرة، بل يدخل ضمن سيناريوهات مدروسة سلفاً في تدبير السدود الكبرى.
غير أن هذا الخطاب، رغم طابعه العلمي، يصطدم بواقع اجتماعي مختلف، تُقاس فيه المخاطر ليس فقط بسلامة المنشآت، بل أيضاً بقدرة الدولة على حماية السكان في أسفل السد، وضمان انسيابية التواصل، والقطع مع فجوة الثقة التي تتسع كلما تكررت الأزمات.
فبين تطمينات اليوم ومخاوف الأمس، يبقى السؤال المطروح: هل تكفي سلامة السد تقنياً لطمأنة مدينة تعيش على وقع المياه الزاحفة، أم أن الأزمة تكشف مرة أخرى الحاجة إلى مقاربة شمولية، تجمع بين التدبير الهندسي الصارم، واليقظة الاجتماعية، والتواصل الاستباقي؟
هكذا، يتحول سد واد المخازن من مجرد منشأة مائية إلى مرآة تعكس علاقة معقدة بين الدولة والمجتمع في زمن الكوارث الطبيعية، حيث لا تُقاس الطمأنينة بالأرقام وحدها، بل بمدى قدرة السياسات العمومية على استباق الخطر، لا فقط احتوائه.





