مراكز الاستثمار بين الإصلاح النصي والعطب الترابي: هل يعالج مقترح “الكتاب” جوهر الاختلال؟

الرباط: إستثمار

في خطوة تشريعية تعكس استمرار الجدل حول نجاعة المراكز الجهوية للاستثمار، تقدم فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب بمقترح قانون يرمي إلى تتميم القانون رقم 47.18، خاصة المادة 10 المتعلقة بتركيبة مجالس الإدارة، في محاولة لسد ما يعتبره “فراغاً ترابياً” في حكامة الاستثمار الجهوي.

المقترح، كما ورد في مذكرته التقديمية، ينطلق من تشخيص مفاده أن الإصلاحات المتعاقبة، رغم طابعها الطموح على مستوى النصوص، لم تُترجم بعد إلى أداء فعلي يوازي الرهانات المعلنة. ومن هنا، يدعو الفريق إلى إلزامية تمثيلية عمال العمالات والأقاليم ورؤساء مجالسها، إلى جانب ممثلين عن الجماعات الترابية المعنية، باعتبارهم الفاعلين المباشرين في توطين المشاريع الاستثمارية على الأرض، وليس فقط في التقارير المركزية.

ويقترح نواب “حزب الكتاب” توسيع تركيبة مجلس الإدارة لتشمل، إضافة إلى والي الجهة ورئيس مجلسها والغرف المهنية، عمال العمالات والأقاليم وعمالات المقاطعات أو من يمثلهم، ورؤساء مجالس العمالات والأقاليم، إلى جانب أربعة رؤساء جماعات تُقترح أسماؤهم من طرف السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية. خطوة يرى فيها الفريق محاولة لإعادة الاعتبار للبعد الترابي الذي ظل، حسب تعبيره، مغيباً في بنية اتخاذ القرار الاستثماري.

غير أن هذا المقترح لا ينفصل عن سياق أوسع، يتمثل في الاعتراف الضمني بوجود نقائص بنيوية في أداء عدد من المراكز الجهوية للاستثمار، رغم صدور الميثاق الجديد للاستثمار أواخر 2022، وما حمله من وعود بتقليص الفوارق المجالية، وتحفيز التوطين الترابي، وخلق مناصب شغل قارة. فبين طموح النصوص وواقع الممارسة، تتسع الهوة، خاصة حين تعجز بعض المراكز عن توفير الحد الأدنى من الوثائق التعريفية بالمؤهلات الاستثمارية للأقاليم، أو عن إنتاج خرائط دقيقة للوعاء العقاري والمناطق الصناعية.

وينبه الفريق البرلماني إلى أن تغييب الجماعات الترابية والعمالات عن المجالس الإدارية للمراكز يفرغ مفهوم “الجهوية الاستثمارية” من محتواه، ما دام الاستثمار لا يتم في فراغ إداري، بل في فضاء جماعاتي وإقليمي تحكمه قرارات محلية، وبنيات تحتية، وإكراهات اجتماعية واقتصادية ملموسة.

لكن، في المقابل، يطرح هذا المقترح سؤالاً نقدياً جوهرياً: هل يكمن الخلل فعلاً في تركيبة مجالس الإدارة، أم في نمط الحكامة ذاته؟ وهل توسيع دائرة العضوية كفيل بتحسين الأداء، أم أنه قد يفضي إلى مزيد من التعقيد وتداخل المسؤوليات؟ ثم إلى أي حد يمكن لهذا التعديل أن ينتقل من منطق “التصحيح الشكلي” إلى إحداث أثر فعلي على جاذبية الاستثمار وعدالته المجالية؟

بين الرغبة في إنصاف التراب، والخشية من إعادة إنتاج أعطاب التدبير العمومي، يظل مقترح التقدم والاشتراكية اختباراً جديداً لمدى قدرة التشريع على تجاوز منطق الإصلاح الورقي، والاقتراب فعلاً من جوهر المعضلة الاستثمارية في المغرب: ربط القرار بالمجال، والمساءلة بالنتائج، لا بعدد المقاعد داخل مجالس الإدارة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى