الصفقات العمومية في المغرب على أعتاب ثورة جديدة.. الحكومة تعيد رسم قواعد المنافسة وتمنح الأفضلية للمقاولات المحلية

الرباط : إدريس بنمسعود

تتجه الحكومة المغربية إلى إحداث تحول عميق في منظومة الصفقات العمومية، من خلال مراجعة شاملة للمرسوم المنظم لها، في خطوة تعكس توجهاً جديداً يرمي إلى تعزيز النجاعة في تدبير المال العام، وتوسيع فرص ولوج المقاولات إلى الطلبيات العمومية، مع إرساء قواعد أكثر شفافية وعدالة في اختيار الفائزين بالصفقات.

وفي هذا السياق، فتحت الأمانة العامة للحكومة باب تلقي ملاحظات العموم بشأن مشروع مرسوم يقضي بتعديل وتتميم المرسوم رقم 2.22.431 المتعلق بالصفقات العمومية، متضمناً مجموعة من التغييرات التي تمس مختلف مراحل إبرام الصفقات وتنفيذها، بدءاً من تقديم العروض وصولاً إلى معايير تقييمها واختيار نائليها.

ويبرز من بين أهم المستجدات التي حملها المشروع، الموقع من طرف الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع، اعتماد مقاربة جديدة في تقييم العروض، تقوم على ترسيخ مفهوم “العرض الأقل ثمناً” بدل التركيز على “العرض الأفضل ثمناً”. ويهدف هذا التغيير، وفق المذكرة التقديمية، إلى ترشيد النفقات العمومية، والحد من الممارسات التي أفرزتها المنافسة غير المتوازنة، وفي مقدمتها ظاهرة كسر الأسعار، مع الاستجابة لمطالب الفاعلين الاقتصاديين.

ويأتي هذا الإصلاح بعد ثلاث سنوات من تنزيل المرسوم الحالي، وهي فترة أفرزت مجموعة من الملاحظات والمطالب من قبل أصحاب المشاريع والمقاولات والمهنيين، ما دفع الحكومة إلى مراجعة عدد من المقتضيات لتجاوز الإكراهات العملية التي ظهرت خلال التطبيق، مع الحرص على توضيح مسؤوليات مختلف المتدخلين وتبسيط المساطر المرتبطة بالإشراف المنتدب، والشراء بواسطة سندات الطلب، والعقود الخاضعة للقانون العادي.

ولا يقتصر المشروع على الجانب المالي والإجرائي، بل يدمج أيضاً البعد الاجتماعي ضمن فلسفة الصفقات العمومية، إذ ينص على مراعاة التكاليف المرتبطة بخدمات الحراسة والنظافة وصيانة المباني الإدارية عند إعداد التقديرات المالية، بما يضمن حماية حقوق العاملين وتحقيق توازن أكبر بين الجودة والكلفة.

كما يمنح المشروع أهمية خاصة للتنمية الجهوية، من خلال إقرار أفضلية للمقاولات التي تمارس نشاطها داخل المجال الترابي الذي ستنفذ فيه الأشغال أو الخدمات، في خطوة ترمي إلى دعم الاقتصاد المحلي، وتشجيع الاستثمار داخل الجهات، وتحفيز التشغيل، وتقوية النسيج المقاولاتي على المستوى الترابي.

وفي المقابل، تسعى الحكومة إلى توسيع قاعدة المنافسة عبر تسهيل ولوج المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، والمقاولين الذاتيين، والتعاونيات، والمقاولات المبتكرة إلى سوق الصفقات العمومية، وذلك من خلال رفع سقف طلبات العروض المبسطة، والطلبات الوطنية، وسندات الطلب، مع الحفاظ على مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المتنافسين، حتى في الحالات التي تخضع فيها بعض المقاولات لأنظمة ضريبية خاصة.

ويؤكد المشروع كذلك التزامه بتعزيز مبادئ النزاهة والشفافية وحسن تدبير المال العام، عبر آليات جديدة تضمن منافسة شريفة واستعمالاً أكثر كفاءة للموارد العمومية، بما ينسجم مع توجهات تحديث الإدارة العمومية وربط الإنفاق العمومي بمبادئ الحكامة.

وتنص المادة 43 من المشروع على أن العرض الأكثر أفضلية سيكون، في الأصل، هو العرض المالي الأقل ثمناً مقارنة بالثمن المرجعي، باستثناء بعض الصفقات ذات الطبيعة الخاصة، مثل الدراسات أو خدمات الحراسة والنظافة وصيانة المساحات الخضراء، التي ستخضع لمعايير تقييم مختلفة تراعي خصوصية هذه الخدمات.

وفي حال تساوي عرضين أو أكثر، يمنح المشروع الأفضلية للمقاولة التي تزاول نشاطها داخل المنطقة التي ستنجز بها الأشغال، مع اعتماد ترتيب يبدأ بالجماعة ثم الإقليم أو العمالة فالجهة. وإذا استمر التساوي بين المتنافسين، يتم اللجوء إلى القرعة للفصل بينهم، في إجراء يراد منه ضمان الحياد والشفافية.

كما يمنح المشروع للمتنافس الذي قدم العرض الأكثر أفضلية إمكانية سحب ملفه واستكمال الوثائق المطلوبة داخل الآجال القانونية، مع السماح له بإيداع ملف جديد وفق الشروط المحددة، بما يكرس مرونة أكبر في تدبير المسطرة دون المساس بمبدأ المنافسة.

ومن بين المقتضيات اللافتة أيضاً، اعتماد الثمن المرجعي كآلية لضبط العروض، حيث إذا لم تتقدم أي مقاولة بعرض يقل عن هذا الثمن، تتولى لجنة فرعية دراسة العرض الأقرب إليه ورفع تقرير بشأنه، قبل أن تتخذ اللجنة المختصة قرارها بالقبول أو الرفض.

وفي ما يتعلق بالعروض غير المتوازنة، يحدد المشروع معايير دقيقة للتعامل معها، إذ يعتبر العرض مفرطاً إذا تجاوز الكلفة التقديرية للأشغال بأكثر من 15 في المائة، بينما يصنف العرض على أنه منخفض بشكل غير عادي إذا جاء أقل من الكلفة التقديرية بالنسبة نفسها، وهو إجراء يستهدف حماية المشاريع العمومية من المبالغة في الأسعار أو من العروض التي قد تؤثر لاحقاً على جودة الإنجاز أو استمرارية التنفيذ.

وتعكس هذه التعديلات توجهاً حكومياً نحو إرساء نموذج جديد للصفقات العمومية، يقوم على تحقيق التوازن بين ترشيد الإنفاق، ودعم المقاولة الوطنية، وتشجيع الاستثمار المحلي، وتعزيز مبادئ الحكامة والشفافية، في محاولة لجعل الطلبية العمومية رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بدل أن تظل مجرد آلية لتدبير الإنفاق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى