
المغرب يربح معركة النمو ويخسر صدارة “الستارتاب”.. هل تكفي البيئة الرقمية لصناعة الريادة؟
الرباط: نارمان بنمسعود
يشهد قطاع الشركات الناشئة في المغرب خلال سنة 2026 مرحلة انتقالية لافتة، تجمع بين مؤشرات نمو قوية وتحديات تنافسية متزايدة. فبينما تؤكد التقارير الدولية أن المنظومة المغربية تحقق واحدة من أسرع وتيرات التطور في شمال إفريقيا، فإن هذا الزخم لم يكن كافياً للحفاظ على الصدارة الإقليمية، بعدما تقدمت تونس في التصنيف العالمي، في مشهد يعكس احتدام المنافسة على استقطاب الابتكار والاستثمارات التكنولوجية.
وسجل المغرب نمواً سنوياً بلغ 30.7 في المائة في مؤشر منظومة الشركات الناشئة، أي ما يقارب ضعف متوسط النمو المسجل في منطقة شمال إفريقيا، وهو ما يعكس دينامية متصاعدة في قطاع التكنولوجيا وريادة الأعمال.
غير أن هذا الأداء الإيجابي لم يمنع المملكة من التراجع إلى المرتبة التسعين عالمياً، في دلالة واضحة على أن السباق العالمي لا يقاس بسرعة النمو فقط، بل بقدرة الدول على تحويل هذا النمو إلى إنجازات اقتصادية وابتكارية مستدامة.
وتبرز قيمة المنظومة المغربية من خلال بلوغ القيمة التراكمية للشركات الناشئة وصفقات التخارج نحو 1.1 مليار دولار، وهو رقم يؤكد أن السوق المغربية أصبحت أكثر جاذبية للمستثمرين مقارنة بسنوات سابقة. لكن هذه القيمة لا تزال متواضعة إذا ما قورنت بالأسواق الناشئة الأكثر تقدماً، التي استطاعت بناء شركات تكنولوجية ذات حضور عالمي.
وعلى المستوى الجغرافي، لم يعد النشاط الريادي محصوراً في الدار البيضاء، رغم احتفاظها بمكانتها كأهم مركز للابتكار في المملكة.
فقد واصلت الرباط تحقيق قفزات مهمة في التصنيف العالمي، بينما صنعت مراكش المفاجأة بدخولها قائمة أفضل ألف مدينة في العالم من حيث منظومة الشركات الناشئة، وهو ما يعكس بداية تشكل أقطاب تكنولوجية جديدة خارج العاصمة الاقتصادية. في المقابل، يبرز تراجع مدن أخرى مثل أكادير، واستمرار تأخر طنجة، بما يؤكد وجود تفاوت في توزيع فرص الابتكار بين الجهات.
ورغم فقدان الصدارة الإقليمية، لا يزال المغرب يحتفظ بعدد من عناصر القوة التي تمنحه أفضلية تنافسية، أبرزها قوة المنظومة المؤسساتية وتعاون الفاعلين الاقتصاديين، إضافة إلى انخراط شركات كبرى في دعم الابتكار وتمويل المشاريع الناشئة، فضلاً عن استمرار قطاع التجارة الإلكترونية في قيادة المشهد الرقمي وتحقيق نتائج متقدمة على المستوى الإقليمي.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في توفير بيئة أعمال جيدة فقط، وإنما في تحويلها إلى شركات ناجحة قادرة على المنافسة عالمياً.
فالتقرير يسلط الضوء على فجوة واضحة بين جودة الإطار المؤسساتي والنتائج الفعلية، حيث يحتل المغرب مرتبة أفضل في مؤشر بيئة الأعمال مقارنة بترتيبه في مخرجات الابتكار، ما يعني أن الإمكانات المتوفرة لم تستثمر بعد بالشكل الكافي لإنتاج شركات عالمية أو استقطاب استثمارات نوعية بحجم الطموحات.
وقد ساهمت مجموعة من المبادرات الوطنية في تعزيز هذا المسار، من بينها إطلاق صناديق تمويل مخصصة للشركات الناشئة، وتوسيع فضاءات الابتكار، واستضافة معرض “جيتكس إفريقيا”، إلى جانب اعتماد استراتيجية “المغرب الرقمي 2030” التي تراهن على مواكبة آلاف المقاولات الناشئة وتسريع التحول الرقمي للاقتصاد الوطني.
وفي المحصلة، تؤكد تجربة المغرب أن بناء منظومة ريادة الأعمال لم يعد رهاناً على البنية التحتية أو التشريعات فقط، بل أصبح رهاناً على القدرة على إنتاج شركات مبتكرة ذات تأثير عالمي. فالنمو السريع يمثل مؤشراً إيجابياً، لكنه لن يكون كافياً لاستعادة الريادة الإقليمية ما لم يتحول إلى قصص نجاح اقتصادية تخلق الثروة، وتستقطب الاستثمارات، وتضع المغرب ضمن أبرز مراكز الابتكار في القارة الإفريقية.





