
مزور يفتح ملف المال العمومي: الاقتراض ليس المشكلة.. الخطر في طريقة إنفاق أموال المغاربة
الرباط: المهدي الجرباوي
يتزايد النقاش حول الطريقة المثلى لتدبير المال العمومي، خصوصاً في وقت أصبحت فيه الدولة مطالبة بتعبئة موارد مالية ضخمة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على ثقة المؤسسات المانحة والمستثمرين وقدرتها على الاقتراض بشروط مريحة.
وفي هذا السياق، قدم رياض مزور، عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، تصوراً يقوم على ضرورة الانتقال من منطق البحث عن التمويل إلى منطق أكثر عقلانية، يجعل من حسن توظيف الموارد المالية وسيلة للحفاظ على القدرة التمويلية للدولة وتسريع وتيرة التنمية.
وأوضح مزور خلال مشاركته في سلسلة حوارات “الرهانات الاقتصادية لانتخابات 2026″،
أن التدبير العقلاني للمال العمومي يبدأ بالحفاظ على قدرة الدولة على الاقتراض في أفضل الشروط الممكنة، باعتبار أن كلفة التمويل أصبحت عنصراً حاسماً في نجاح السياسات الاستثمارية.
وأشار إلى أن التصنيف الذي تتمتع به المملكة في الأسواق والمؤسسات المالية الدولية يمنح المغرب هامشاً مهماً للتحرك، ويسمح له، في بعض الحالات، بالاقتراض بمعدلات فائدة تنافسية مقارنة بعدد من الدول الأوروبية، وهو ما يجعل الحفاظ على هذه الثقة مسألة تتجاوز الحسابات المالية الظرفية.
وبحسب مزور، فإن الجهات التي تقيم الدول لا تنظر فقط إلى حجم الديون، وإنما تراقب مجموعة واسعة من المؤشرات المرتبطة بتوازنات المالية العمومية، وقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، ومستوى المخاطر، وآفاق النمو، وهو ما يجعل الثقة التي راكمها المغرب لدى الممولين بمثابة رأسمال مالي يجب عدم التفريط فيه.
وفي المقابل، يرى مزور أن الحفاظ على الثقة المالية لا يعني تجميد الاستثمار أو تجنب الاقتراض، بل يقتضي توظيف التمويلات في مشاريع قادرة على خلق قيمة مضافة وتسريع التنمية. وفي هذا الإطار، اعتبر أن آليات التمويل المبتكرة أصبحت أداة مهمة لتمكين الدولة من إنجاز مشاريع كبرى لم تكن الميزانيات التقليدية وحدها كافية لتمويلها.
ويرى عضو اللجنة التنفيذية لحزب “الميزان” أن الرهان الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بين تعبئة الموارد والحفاظ على القدرة على الوفاء بالالتزامات، بما يسمح للدولة بمواصلة الاستثمار دون الإضرار بثقة الممولين.
ولم يحصر مزور النقاش في الاقتراض العمومي، بل وسّعه ليشمل إمكانيات الدولة والمستثمرين والقطاع الخاص، معتبراً أن هناك نماذج يمكن من خلالها تعبئة استثمارات لإنجاز مرافق عمومية، من قبيل المدارس والمستشفيات، قبل استغلالها والاستفادة من العائدات التي يمكن أن توفرها.
وتساءل في هذا السياق عن أسباب عدم استفادة المواطنين المغاربة بشكل أكبر من هذه الآليات، ما دامت قادرة على تعبئة موارد إضافية وإنجاز مرافق وخدمات يحتاج إليها المواطن، مؤكداً أن المطلوب هو البحث عن أفضل صيغة لاستثمار الإمكانيات المتاحة بدل الاكتفاء بالوسائل التقليدية للتمويل.
وتضع هذه الرؤية المال العمومي أمام معادلة دقيقة: الدولة مطالبة بالإنفاق والاستثمار وتمويل البنيات التحتية والخدمات الاجتماعية، لكنها مطالبة في الوقت ذاته بالحفاظ على توازناتها المالية وسمعتها الائتمانية حتى لا تتحول كلفة التمويل إلى عبء يحد من قدرتها على الاستثمار مستقبلاً.
وفي نهاية المطاف، يخلص مزور إلى أن التدبير العقلاني للمال العمومي لا يقاس فقط بحجم الأموال التي تنفقها الدولة، وإنما بقدرتها على تحويل هذه الأموال إلى استثمارات ومشاريع منتجة، والحفاظ على الثقة المالية، وخلق موارد جديدة، وتسريع إنجاز الأوراش التي يحتاج إليها الاقتصاد والمواطنون.
وبذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست معركة الاقتراض في حد ذاته، وإنما معركة كيفية الاقتراض، وأين يتم توجيه الأموال، وما العائد الذي سيحققه كل درهم يتم تعبئته، وهي معادلة ستفرض نفسها بقوة على النقاش الاقتصادي والسياسي مع اقتراب انتخابات 2026.





