فضيحة مدوّية تهز “العمران”: تفويت أراضٍ فاخرة بالهرهورة بثمن رمزي لمسؤولين نافذين

الرباط: إدريس بنمسعود

تعود إلى الواجهة واحدة من أكثر قضايا تبديد المال العام إثارة للجدل، والمتعلقة بتفويت عقارات في منطقة الهرهورة بأسعار بخسة لمسؤولين بشركة “العمران”، في صفقة تكشف، بكل وضوح، كيف يمكن لمواقع النفوذ داخل مؤسسات الدولة أن تتحول إلى أداة للاغتناء غير المشروع، تحت غطاء قانوني وإداري مُحكم الصياغة.

فحسب ما أظهرته خبرة قضائية أنجزت بأمر من قاضي التحقيق، فإن بقعتين أرضيتين في سيدي العابد – وهي من أغلى المناطق الساحلية بالمغرب – فُوتتا سنة 2006 بمعدل 193 درهما للمتر المربع، بينما كانت قيمتهما السوقية الحقيقية تفوق 974 مليون سنتيم.

هذه الهوة الصارخة في التقييم، التي تُرجمت إلى تبديد أزيد من 660 مليون سنتيم من المال العام، لم تكن صدفة، بل نتيجة لسلسلة من التواطؤات والقرارات التي اتخذت في إطار ما يمكن تسميته بـ”هندسة المصالح الخاصة”.

العملية انطلقت بتأسيس ودادية سكنية ظاهرها اجتماعي، وباطنها امتياز مؤسساتي، ضمت مسؤولين ومديرين في شركة “العمران”، كان بعضهم في نفس الوقت أعضاء بلجنة التقييم العقاري.

وهنا يتجلى بوضوح تضارب المصالح واستغلال النفوذ حيث اجتمع من اشترى العقار مع من قرر ثمنه، في نموذج صريح لتحايل مؤسسي على القانون.

الملف، الذي يتابع فيه 14 مسؤولا بينهم 3 مدراء عامين بشركة العمران، يكشف مدى هشاشة منظومة تدبير العقار العمومي، وضعف آليات الرقابة الداخلية، ويضعنا أمام سؤال جوهري: كيف استمرت هذه الصيغة من التلاعب لسنوات دون أن تُكتشف خيوطها؟ ولماذا لم تتحرك المساطر الزجرية إلا بعد تدخل المجلس الأعلى للحسابات؟

كما يطرح الملف إشكالية عدالة المتابعة القضائية خاصة حين تشمل بعض الموظفين الذين لم تكن لهم صلاحية اتخاذ القرار، مثل حالة موظف بسيط أُدرج ضمن المتابعين فقط لأنه أعدّ لائحة العطل، دون أن يكون له دور في التقييم أو التفويت، وهو ما يعيد النقاش حول ضرورة التمييز بين الفاعلين الرئيسيين والمتدخلين العرضيين في مثل هذه القضايا.

وإذا كانت محكمة الاستئناف بالرباط تستعد لاستكمال المرافعات في هذا الملف، فإن الرهان الحقيقي لا يتوقف عند إصدار أحكام زجرية، بل يمتد إلى إرساء قواعد صارمة في الحكامة العقارية، وتجفيف منابع الريع داخل المؤسسات العمومية، ووضع ضوابط تمنع تكرار مثل هذه السيناريوهات، عبر شفافية التقييم واستقلالية القرار داخل أجهزة الدولة.

إن ملف تفويت عقارات الهرهورة ليس مجرد قصة فساد مالي داخل شركة عمومية، بل هو مرآة تعكس كيف يمكن أن تتحول المؤسسات المفترض أن تحمي المال العام إلى أدوات لتوزيع الامتيازات على دائرة ضيقة من النافذين. هي قضية تطرح بحدة سؤال الثقة في الدولة، وعدالة القانون، ومصداقية الشعارات المرفوعة في وجه الفساد.

اليوم، لا يكفي أن تُقدَّم بعض الأسماء للمحاكمة، بل المطلوب هو القطع مع ثقافة “الريع المقنع” وتحصين مؤسسات الدولة ضد استغلال النفوذ وتضارب المصالح. فكل قضية من هذا النوع تمرّ دون محاسبة صارمة تُقنع المواطنين أن الفساد لا يُكلف شيئاً، وأن القانون لا يطبق إلا على الفئات الضعيفة.

في النهاية ما ينتظره الرأي العام ليس فقط استرجاع الملايين المبددة، بل استرجاع الثقة المفقودة في أن العدالة قادرة فعلاً على أن تصل إلى المسؤولين الكبار الذين استغلوا مناصبهم لمراكمة الامتيازات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى