
بين تفاؤل الأرقام واختبار الواقع: هل ينجح الاستثمار في تجاوز وعود الميثاق؟
الرباط: ريم بنكرة
في قراءته لمسار المؤشرات الاقتصادية، يقدّم الوزير المنتدب المكلف بالاستثمار كريم زيدان صورة متفائلة توحي بأن الاقتصاد الوطني بات يسير بوتيرة أسرع من تلك التي رسمها الميثاق الوطني للاستثمار، خاصة على مستوى تعبئة الرساميل وإحداث فرص الشغل في أفق 2026. غير أن هذه الصورة، حين تُقارب بمنطق المقارنة والتحليل، تكشف عن تداخل بين منجزات رقمية واختبارات واقعية ما تزال مطروحة.
فمن داخل البرلمان، استند الخطاب الحكومي إلى حصيلة المصادقة على مئات المشاريع الاستثمارية الكبرى، بمبالغ تناهز مليارات الدراهم، وما رافقها من إحداث عشرات الآلاف من مناصب الشغل في فترة وجيزة. مقارنة بالسنوات السابقة، حيث كانت وتيرة إخراج المشاريع بطيئة وتُستنزف في المساطر، يبدو أن آليات التحفيز الجديدة قد نجحت نسبياً في تسريع القرار الاستثماري. غير أن المقارنة ذاتها تطرح سؤال الاستدامة: هل يتعلق الأمر بدفعة ظرفية مرتبطة بحوافز استثنائية، أم بتحول بنيوي في مناخ الأعمال؟
على مستوى المقاولات الصغرى والمتوسطة، يبرز اختلاف في المقاربة مقارنة بالنموذج التقليدي الذي كان يراهن أساساً على المشاريع الكبرى كثمرة أساسية للنمو. الحكومة، وفق تصريحات زيدان، اختارت توسيع قاعدة المشاريع ذات الكلفة الأقل لكن ذات الأثر الاجتماعي المباشر. هذه المقاربة، مقارنة بالتجارب السابقة، تحمل وعداً بمضاعفة فرص الشغل على المدى المتوسط، لكنها في المقابل تضع تحدي المواكبة والتمويل والاستمرارية، خاصة في ظل هشاشة هذا النسيج أمام التقلبات الاقتصادية.
التحول المجالي للاستثمار يشكل بدوره نقطة مقارنة أساسية. فبعد عقود من تمركز المشاريع في الأقطاب الاقتصادية الكبرى، تشير المعطيات الحكومية إلى امتداد الاستثمار نحو مختلف الجهات، وإن بتفاوت في الحجم والقيمة. هذا التفاوت، وإن وُصف بالطبيعي، يعكس انتقالاً تدريجياً نحو عدالة مجالية أوسع مقارنة بالماضي، لكنه يكشف أيضاً عن استمرار فجوة تنموية بين الجهات القادرة على جذب المشاريع الكبرى وتلك التي تكتفي باستثمارات محدودة الأثر.
أما على المستوى القطاعي، فيحتل التصنيع موقع الصدارة في الرؤية الاستثمارية الجديدة، مع استقطاب مشاريع في مجالات استراتيجية كصناعة الطيران والنسيج والبطاريات. مقارنة بالمراحل السابقة التي ركزت على صناعات تقليدية أو منخفضة القيمة المضافة، يظهر هذا التوجه كرهان على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية. غير أن نجاح هذا الرهان يظل مرتبطاً بقدرة الاقتصاد على خلق تكامل فعلي بين المشاريع الكبرى والمقاولات الصغرى، حتى لا تتحول الصناعة المتقدمة إلى جزر معزولة داخل النسيج الاقتصادي.
في المحصلة، يعكس الخطاب الحكومي ثقة في مسار استثماري متصاعد، مدعوم بأرقام ومشاريع ملموسة. لكن المقارنة مع تجارب سابقة تُبرز أن تجاوز أهداف الميثاق الوطني للاستثمار لن يُقاس فقط بعدد المشاريع المصادق عليها، بل بقدرتها على خلق مناصب شغل دائمة، وتقليص الفوارق المجالية، وترسيخ نمو صناعي متوازن ومستدام.





