استعراض مفارقات الاقتصاد المغربي: تهافت على القروض في مواجهة تعثر متزايد

الرباط: نارمان بنمسعود

تسلط البيانات المالية الأخيرة لبنك المغرب الضوء على صورة اقتصادية متناقضة، حيث يلجأ المغاربة بشكل متزايد إلى الاقتراض كمنقذ مالي في مواجهة أزمة الغلاء، بينما تنذر بوادر تعثر الديون بتحول هذا الحل إلى مشكلة مستقبلية. فمع تضاعف الضغوط المعيشية، تشير أرقام نوفمبر 2025 إلى تسارع نمو القروض الموجهة للأسر، ليعكس ذلك محاولة يائسة للحفاظ على القدرة الشرائية المتآكلة. وقد تحول القرض من أداة استثمار أو تحسين معيشي إلى شريان حياة يومي، حيث قادت قروض الاستهلاك هذا الارتفاع متجاوزة النمو في القطاع العقاري الذي كبحته الأسعار المرتفعة وتكاليف التمويل الباهظة.

بالمقارنة، يظهر قطاع الأعمال تناقضاً داخلياً آخر. ففي الوقت الذي تنشط فيه القروض الممنوحة للشركات الخاصة، مدفوعة جزئياً بانخفاض حدة انكماش تسهيلات الخزينة، تواصل الشركات العمومية مسارها التمويلي بحذر أكبر تحت وطأة الرقابة المشددة. ويبدو أن الاقتصاد يسير على حبلين: حبل قصير الأمد تقطعه الأسر والقوى العاملة عبر الاقتراض للاستهلاك، وحبل أطول يمثله استثمار الشركات في التجهيزات، والذي وإن تباطأ قليلاً، إلا أنه يحافظ على زخم واضح، مما يشير إلى بقاء بصيص أمل في تعزيز الإنتاجية.

غير أن المشهد الأكثر إثارة للقلق يكمن في الخلفية المظلمة لهذه الصورة. فالزيادة الحادة في الديون المتعثرة، والتي تفوق بكثير معدل نمو القروض نفسها، تنذر بفجوة خطيرة. إن هذا التعثر المتسارع ليس مجرد مؤشر رقمي، بل هو إشارة تحذيرية إلى أن عبء الديون الذي تتحمله الأسر والشركات قد يبدأ في تجاوز قدرتها على السداد. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فالحل الفوري الذي تتبناه الاقتصاد والمتمثل في ضخ المزيد من الائتمان، قد يغذي أزمة مالية كامنة، ليحول أداة المواجهة الاقتصادية إلى مصدر تهديد جديد للاستقرار المالي على المدى المتوسط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى