
برنامج “فرصة” بين وعد التمكين وفخّ المديونية… حين يتحول دعم المبادرة إلى عبء اجتماعي
الرباط: ريم بنكرة
أعاد ملتمس الاستعجال الذي وجّهه مستفيدون من برنامج “فرصة” إلى رئيس الحكومة فتح نقاش حساس حول فلسفة دعم المقاولة الناشئة بالمغرب، وحدود الاعتماد على القروض كأداة وحيدة للتمكين الاقتصادي. فبدل أن يشكّل البرنامج رافعة للاندماج الاقتصادي وخلق القيمة، بدأ في نظر عدد من حاملي المشاريع يتحول إلى عبء مالي يهدد بانهيار مقاولاتهم وتوسّع كلفته الاجتماعية.
القراءة النقدية للملف تكشف أن الإشكال لا يرتبط فقط بسوء تدبير فردي أو ضعف كفاءة المستفيدين، بل أساسا بعدم ملاءمة آلية التمويل للواقع الاقتصادي المتحوّل. فالقروض، التي صُمّمت في سياق افتراض استقرار نسبي للأسواق، اصطدمت بظرفية معاكسة اتسمت بتضخم مرتفع، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، ما جعل خدمة الدين عبئا يفوق قدرة المقاولات الفتية على الاحتمال.
كما أن مخططات الأعمال التي تم اعتمادها خلال مرحلة الانتقاء فقدت جزءا كبيرا من وجاهتها، ليس بسبب أخطاء في التصور، بل نتيجة تحولات بنيوية فرضتها سنوات الجفاف المتتالية، واضطراب سلاسل التزويد، واتساع رقعة المنافسة غير المنظمة داخل القطاع غير المهيكل، وهو ما أفرغ عددا من المشاريع من قدرتها التنافسية قبل أن تكتمل دورة حياتها الأولى.
ويزداد المشهد قتامة مع الإكراهات الإدارية التي رافقت تنزيل البرنامج على الأرض. فبطء مساطر التراخيص وتأخر الموافقات الضرورية عطّلا الانطلاقة الفعلية للعديد من المشاريع، واستنزفا السيولة المالية في مرحلة يفترض أن تكون مخصصة للاستثمار والإنتاج، لا لتغطية التكاليف الثابتة وانتظار الضوء الأخضر الإداري.
في هذا السياق، لم يعد مستغربا أن يصف المستفيدون القروض الممنوحة بـ“الديون السامة”، بعدما تحولت من وسيلة دعم إلى عامل تهديد مباشر لبقاء المقاولات الناشئة، حتى مع بروز مؤشرات انتعاش ظرفية في بعض القطاعات. فالمشكل، في جوهره، بنيوي أكثر منه ظرفي، ويتعلق بتصميم البرنامج وآليات مواكبته.
من هنا، تبرز دعوة حاملي المشاريع إلى تحويل القروض إلى منح استثمارية كطرح اقتصادي وقائي، لا كمطلب فئوي. إذ إن كلفة إنقاذ المقاولات قبل إفلاسها تظل، وفق منطق المالية العمومية، أقل بكثير من كلفة تحمّل الدولة لاحقا لأعباء ضمان القروض عبر مؤسسة “تمويلكم”، ناهيك عن الكلفة الاجتماعية المترتبة عن فشل مشاريع الشباب وفقدان الثقة في السياسات العمومية.
كما يكشف هذا الملتمس عن حاجة ملحّة إلى إعادة التفكير في استمرارية الدعم، عبر إدماج تلقائي للمستفيدين في برامج الاستثمار والتمويل اللاحقة دون تعقيدات إضافية. فاستنزاف طاقات الشباب في مساطر متكررة وشروط جديدة يناقض فلسفة المبادرة التي يفترض أن تقوم على الثقة والمواكبة لا على الاختبار الدائم.
في المحصلة، لم يعد النقاش حول برنامج “فرصة” تقنيا محضا، بل أصبح اختبارا حقيقيا لمدى قدرة السياسات العمومية على التكيّف مع الواقع، وتصحيح المسار قبل تحوّل الدعم إلى عبء، والطموح إلى خيبة جماعية تمس الثقة في الدولة قبل أن تمس توازنات السوق.





