من تشديد الضبط إلى توسيع الهوامش: منشور الصرف 2026 بين تحفيز الاقتصاد ومخاطر الانفلات

الرباط: إستثمار

مع مطلع سنة 2026، اختار مكتب الصرف أن يقلب بعض قواعد اللعبة عبر نسخته الجديدة من المنشور العام لعمليات الصرف، مقدّمًا نفسه كفاعل يسعى إلى تبسيط المساطر ودعم تنافسية الاقتصاد الوطني، خاصة في سياق عالمي يتسم بتسارع التحول الرقمي واحتدام المنافسة على الاستثمارات. غير أن القراءة التحليلية المقارنة بين المقتضيات الجديدة وما كان معمولًا به سابقًا تكشف عن مفارقة لافتة: توسع غير مسبوق في الهوامش مقابل استمرار هواجس ضبط التوازنات المالية.

في ما يتعلق بالشركات الناشئة المبتكرة، يبدو التحول جليًا. فبعد سنوات من اشتراط الأقدمية والحسابات المدققة، أتاح المنشور الجديد لهذه الشركات، المصنفة من وكالة التنمية الرقمية، الاستثمار بالخارج في حدود 10 ملايين درهم سنويًا، مع رفع سقف التجارة الإلكترونية إلى مليوني درهم. مقارنة بالماضي، حيث كانت القيود تُثقل كاهل هذا النوع من المقاولات، يظهر المكتب وكأنه انتقل من منطق الحذر المفرط إلى منطق الرهان على الابتكار، وإن كان هذا الرهان محفوفًا بمخاطر خروج العملة دون ضمانات كافية للعائد.

الأجانب المقيمون والمستثمرون بدورهم استفادوا من مقاربة أكثر مرونة. فالسماح بتحويل مداخيل استثمارات تفوق عشر سنوات دون إلزامية تبرير التمويل بالعملة الصعبة، ومساواتهم بالمغاربة في مخصصات السفر والعلاج، يعكس توجهاً جديداً نحو تحسين جاذبية الإقامة الاستثمارية. غير أن المقارنة مع وضعية المستثمر المحلي تطرح سؤال العدالة الاقتصادية، خاصة في ظل استمرار قيود غير مباشرة تطال بعض الفاعلين الوطنيين.

في مجال الاستيراد والتصدير، يتضح أن المكتب حاول معالجة اختناقات عملية طالما اشتكى منها المصدرون. فتمكينهم من تموين حساباتهم بالعملة الصعبة بنسبة تصل إلى 15 في المائة من قيمة الصفقات الدولية يمثل تطورًا مهمًا مقارنة بالقيود السابقة. كما أن تبسيط مساطر تسوية واردات الخدمات وحذف اللوائح الحصرية للبنوك يشير إلى رغبة في عقلنة التدبير بدل التحكم المركزي الصارم، وإن كان ذلك قد يفتح الباب لاختلالات إن لم يُواكب برقابة فعالة.

أما مخصصات السفر، المهنية والشخصية، فقد شهدت بدورها توسعًا لافتًا. رفع السقف الإجمالي للسفر الشخصي إلى 500 ألف درهم سنويًا، وربطه جزئيًا بالضريبة على الدخل، يعكس انتقالًا من منطق التقييد الموحد إلى منطق التفاضل حسب القدرة الجبائية. مقارنة بالسنوات السابقة، حيث كانت الهوامش أضيق، يبدو هذا الإجراء أكثر انسجامًا مع واقع الطبقات المتوسطة والعليا، لكنه يظل بعيدًا عن معالجة الفوارق الاجتماعية الأعمق.

في ما يخص التجارة الإلكترونية، حمل المنشور إشارات مزدوجة. فمن جهة، أقر حدًا أدنى من المخصصات للشركات الناشئة المعفاة من الضرائب، ومن جهة أخرى رفع سقف مخصصات الأشخاص الذاتيين والمغاربة المقيمين بالخارج. هذه المقاربة، مقارنة بالقيود السابقة، تعكس اعترافًا رسميًا بالدور المتنامي للاقتصاد الرقمي، لكنها تطرح تحدي تتبع المعاملات وضمان شفافيتها.

المغاربة المقيمون بالخارج كانوا من أبرز المستفيدين، خصوصًا في ما يتعلق بالقروض العقارية، حيث أُلغيت القيود العددية على التملك وارتفعت نسبة التمويل البنكي إلى 80 في المائة. مقارنة بالماضي، حيث كان التملك محاطًا بشروط صارمة، يظهر هذا التحول كرسالة ثقة وتحفيز للارتباط بالوطن، وإن كان يحمل في طياته مخاطر تضخيم الطلب العقاري.

أما في ملف الدراسة بالخارج والتحوط المالي، فإن رفع سقف تحويل مصاريف الإقامة إلى 15 ألف درهم شهريًا وتوسيع آليات التحوط لتشمل مختلف المخاطر، يعكس انتقالًا من تدبير ظرفي إلى رؤية أكثر شمولية. مقارنة بالمنشورات السابقة، يبدو أن مكتب الصرف يسعى إلى التوفيق بين حماية الاحتياطي من العملة الصعبة ومواكبة الانفتاح الاقتصادي.

في المحصلة، يكشف منشور الصرف 2026 عن تحول واضح من فلسفة الضبط الصارم إلى منطق المرونة المحسوبة. غير أن هذا التحول، رغم ما يحمله من فرص لتحفيز الاستثمار والابتكار، يظل مرهونًا بقدرة الدولة على الموازنة بين الانفتاح المالي والحفاظ على الاستقرار النقدي، حتى لا تتحول المرونة إلى ثغرة يصعب التحكم في تداعياتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى