
انتخابات 2026… عودة متوقعة للأغلبية بملامح متآكلة وصراع مبكر يفضح أعطاب السياسة
الرباط: إدريس بنمسعود
مع مطلع سنة 2026، يدخل المغرب فعلياً مرحلة انتخابية مشحونة، تضع الأحزاب السياسية أمام اختبار حاسم لاستعادة ثقة متآكلة، في سياق يتسم بفتور اجتماعي، وضغط اقتصادي، وتنامي الشك الشعبي في جدوى الفعل الحزبي. ورغم ما يبدو ظاهرياً من هدوء سياسي في الأسابيع الأخيرة، إلا أن هذا الهدوء لا يعدو أن يكون استراحة تكتيكية تسبق انفجاراً انتخابياً مبكراً، سرعان ما ستظهر ملامحه مع تصاعد حدة الخطابات وتبادل الاتهامات بين الخصوم، بل وحتى بين مكونات الأغلبية الحكومية نفسها.
المؤشرات الأولية، وفق قراءات عدد من المراقبين، توحي بإمكانية عودة الأحزاب الثلاثة المشكلة للحكومة الحالية إلى صدارة المشهد الانتخابي، وإن بأوزان متفاوتة، مع تسجيل تراجع طفيف محتمل لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي يبدو أنه يدفع كلفة مزدوجة: كلفة المشاركة في التدبير الحكومي، وكلفة صعوبة التوفيق بين خطابه السياسي ودوره داخل الأغلبية. هذه العودة المتوقعة لا تعكس بالضرورة تجديداً في الثقة الشعبية، بقدر ما تعكس محدودية البدائل، واستمرار التحكم في قواعد اللعبة الانتخابية، وضعف قدرة المعارضة على تقديم عرض سياسي مقنع ومتماسك.
في هذا السياق، يرى عبد العالي بنلياس، أستاذ الحقوق بكلية السويسي، أن منطق الاستعداد الدائم للانتخابات أصبح جزءاً بنيوياً من سلوك الأحزاب، غير أن الإشكال يكمن في تحوّل هذا الاستعداد إلى صراع انتخابي مفتوح داخل مرحلة تدبير الشأن العام، خاصة لدى أحزاب الأغلبية، التي باتت تمارس المعارضة من داخل الحكومة نفسها. هذا السلوك، الذي يقوم على تفجير الملفات وتبادل الاتهامات باستعمال معطيات مستمدة من مواقع المسؤولية، لا يسيء فقط إلى مبدأ تكافؤ الفرص، بل يفرغ العمل الحكومي من معناه، ويهدر زمناً تنموياً ثميناً كان يفترض استثماره في تنزيل سياسات عمومية ذات أثر ملموس.
ويرتبط مآل هذه الاستحقاقات، كما يشير بنلياس، بشكل وثيق بنسبة المشاركة الانتخابية، إذ إن أي عزوف محتمل سيعيد إنتاج السيناريو نفسه: صعود المال السياسي، وهيمنة شبكات الزبونية، وإفراز برلمان ضعيف التمثيلية، شبيه بما أفرزته الولاية التشريعية الحالية. ورغم التعديلات التي باشرتها وزارة الداخلية على المنظومة الانتخابية، في محاولة لما يشبه “التطهير القبلي” للمشهد، إلا أن الرهان على الأعيان والمال الانتخابي ما زال حاضراً بقوة في حسابات عدد من الأحزاب، التي تفضل منطق الفوز السريع على منطق البناء السياسي طويل النفس.
ورغم كل ذلك، يقرّ المحلل ذاته بأن أحزاب الأغلبية لا تزال تملك حظوظاً انتخابية قائمة، وإن كانت مهددة بما يسمى “التصويت العقابي”، في مقابل تسجيل عودة نسبية لحزب العدالة والتنمية إلى الواجهة، بعد استعادة جزء من ديناميته وقاعدته المحافظة.
غير أن هذا الحزب، الذي حكم لعشر سنوات، ما زال يعاني من أعطاب تنظيمية عميقة، ومن إرث ثقيل خلفته تجربة تدبير حكومي استنزفت رصيده السياسي وأضعفت تماسكه الداخلي، ما يجعل تحسّن نتائجه محتملاً لكنه محدود السقف. التوقع نفسه ينسحب، بدرجات أقل، على حزب التقدم والاشتراكية، الذي يراهن على موقعه النقدي لاستعادة بعض الحضور.
من جهته، يعتبر المهدي السطي محلل سياسي أن المشهد الحزبي المغربي عاد بالكامل إلى أنماطه التقليدية، حيث استعادت جميع الأحزاب، دون استثناء، ممارساتها القديمة في التعاطي مع الانتخابات، من خطاب شعبوي، وبرامج عامة، ووجوه مستهلكة. ويذهب عدد من الخبراء إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن الأحزاب التي تداولت على تدبير الشأن العام منذ دستور 2011 فقدت أي بوصلة تدبيرية حقيقية، وقدمت نفسها كقوى عاجزة عن إنتاج سياسات عمومية ذات أثر اجتماعي واقتصادي ملموس، باستثناء إجراءات محدودة لم تنجح في تحسين القدرة الشرائية أو إحداث تحول بنيوي.
الأخطر في هذا المشهد، بحسب هؤلاء، أن الأحزاب تتجه نحو انتخابات 2026 بالبرامج نفسها والخطاب نفسه، مع تغييرات شكلية تفرضها فقط المتابعات القضائية لبعض الأسماء المتورطة في قضايا فساد، دون أن يعني ذلك بروز نخبة سياسية جديدة أو دينامية مختلفة. وحتى النقد الموجه لتجربة العدالة والتنمية، التي توصف بالفاشلة على مستوى النتائج، لا يخرج التجربة الحكومية الحالية من دائرة المساءلة، باعتبار أن التدبير الثلاثي لم ينجح بدوره في تخفيف الصدمات الاجتماعية المتتالية التي تلقاها المواطنون.
هكذا، تبدو انتخابات 2026 أقرب إلى إعادة إنتاج مشهد مألوف، تعود فيه الأحزاب نفسها بوعود أقل، وثقة أضعف، وصراع أكثر شراسة، في ظل سؤال جوهري يظل معلقاً: هل تكفي عودة الأغلبية، ولو منقوصة، لإقناع ناخب فقد إيمانه بجدوى السياسة، أم أن صناديق الاقتراع ستكشف مرة أخرى عمق الأزمة التي تعيشها الحزبية المغربية؟





